خالد دومة يكتب: ماذا سيقول الناس؟

منذ 46 دقيقة

طامة كبرى أن نجعل من أنفسنا لقمة سائغة في يد عادة قبيحة، لا يقتنع بها عقل ولا يرضى عنها ضمير حي، وأن نجعل من كلام الناس والخوف منه شيئًا نقدسه، رغم أنه قد ينافي الدين ويحارب العقيدة، ثم ندعي بعد ذلك أننا متدينون.

إن هذا الخوف يجعل منا عبيدًا لأوهام ترسم لنا حياتنا التي لا نرضاها، ولكن ماذا سيقول الناس؟

كلمات قليلة تقف حاجزًا بين الإنسان وبين ممارسة حياة يريدها، ولا تتعارض مع العقل أو المنطق أو الدين، لكن الناس ينظرون إليها بازدراء؛ لأنهم اعتادوا عليها وورثوها عن آبائهم، فلا ينبغي، في نظرهم، مخالفتها.

تمر بنا عشرات المواقف يوميًا من أمثال هذه الأفعال التي تلغي عقولنا، فنفعلها خوفًا من نظرة الناس إلينا، ونخشى أن ينظر إلينا المجتمع نظرة تسفيه واحتقار إذا خالفناها. وهكذا تتحول العادة إلى قيود وأغلال حول أعناقنا، وتسوقنا إلى تكدير حياتنا، فنحتمل نتائج مدمرة فقط حتى نتفادى كلام الناس.

يهرب البعض من ممارسة أعمال يحبونها، وهي ليست حرامًا في الدين ولا مستهجنة في الضمير، لكن السؤال يظل يطاردهم: ماذا سيقول الناس عني؟

نتكبد الديون، ونستدين، ونحمل أنفسنا ما لا طاقة لنا به، حتى نتفادى كلام الناس أو ننال مدحهم وإعجابهم، مع أن هذا المدح لا ينفعنا، وقد يضر بحياتنا وجيوبنا.

المهم هو المظهر الاجتماعي، وكلام الناس الذي أصبح عند البعض أهم من راحة الإنسان وقدرته على أن يعيش حياته كما يريد.

ترسم لنا العادة طريقًا مليئًا بالعقبات والتعاريج، ونشعر أننا ملزمون بسلوكه حتى لا يقال عنا إننا خالفنا ما اعتاده الناس.

ونحن لا نرفض العادات كلها؛ فهناك عادات صحيحة تحمل قيمًا إنسانية نبيلة، وتمنح المجتمع تماسكه، وتحفظ بعض معانيه الجميلة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول العادة إلى سلطة لا تُناقش، وإلى شيء نراه واجبًا مقدسًا لمجرد أنه قديم، لا لأنه صحيح في عين العقل.

علينا أن نفرق بين عادة توافق العقل والضمير وتحمل قيمة إنسانية، وعادة تهدم القيم، وتنال من العقل والمنطق السديد، وتحول الرأي الصحيح إلى موضع للسخرية.

والأخطر من ذلك أننا لا نقف أمام هذه العادات لنسأل: هل تتوافق مع العقل والعقيدة التي نعتنقها ونفخر بها؟

إنها عقيدة تعلي من قيمة العقل، وتجعل له الكلمة العليا في تدبير شؤوننا الدينية والدنيوية. فكيف نلغيه ونتجاهل أحكامه وننحيه جانبًا لأن عادة قديمة تملك زمام عقولنا؟

حين نحترم المجتمع على حساب عقولنا، فإننا نؤثر الجهل، ونهدم به المجتمع، ونمنحه وسيلة من وسائل انحطاطه. وما قيمة مجتمع يعلق حياة أفراده على عادة تضر ولا تنفع، وتنافي الرأي السديد؟

إنها لمأساة كبرى أن تطحن العادة تحت وطأتها سنوات وأعمارًا سدى، خوفًا من كلمة تقال، أو نظرة عابرة، أو حكم يصدره إنسان لا يعرف شيئًا عن حياتنا.

أي قيمة للعمر إذا ألقيناه تحت عجلات العادة حتى يموت خاسرًا معنى الحياة الحقيقي؟

إننا نربط مصائرنا كلها بالخوف من كلمة تنطلق من أفواه الناس، فنعيش حياة لا نرغبها ولا نريدها، فقط لأن الآخرين يريدونها لنا. وكأننا آلات تحركها أيدي الآخرين، فتوجهها وترسم طريقها بلا إرادة منا.

نسلمهم زمام نفوسنا، ثم نشكو بعد ذلك من حياة لم نخترها.

لذلك يجب أن نصحح سلوكنا تجاه كل عادة، وأن نضعها أمام العقل والضمير. فإن وافقها العقل وأقرها الضمير، فلتكن منهجًا وطريقًا نسلكه، وإن خالفتهما فلا سبيل لها إلينا.

ولابد أن نمحو من ذاكرتنا تلك المقولة التي أفسدت علينا حياتنا وسخرتنا واستعبدتنا: «ماذا سيقول الناس؟»

نحن لا نملك أعمارًا إضافية حتى نهدرها في إرضاء الآخرين، ولا نملك حياة أخرى نعيشها بعد أن تنتهي هذه الحياة.

ولا سبيل إلى حياة سوية إلا بحرية العقل؛ لكي يحكم أحكامًا صحيحة، وبضمير حي ينبهنا حين ننحرف، ويجعلنا لا نهتم من أقوال الناس إلا بما يوافق العقل والضمير.

فليست كل عادة جديرة بالاتباع، وليس كل ما ورثناه جديرًا بأن نورثه لأبنائنا.

فالعادة تُحترم حين تحترم الإنسان، أما حين تهدم عقله وتفسد حياته، فواجبنا أن نسألها قبل أن نتبعها: لماذا؟

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق