خالد دومة يكتب: الخير بين المكسب والخسارة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من الناس من لا يفعلون الخير لأنه جميل، ولا يطلبونه لذاته، دون أن يكون في نفوسهم طلب الجزاء عليه؛ إذ إن نفوسهم لا تعرف معنى الجمال إلا إذا كان له ثمن وجزاء مادي. إنهم يخدمون أجسادهم بكل صورة، وعلى أي طريقة، ويدورون حولها طالبين لها المزيد من الشحم واللحم. ولا تتعدى عقولهم التفكير في مطالب الجسد من الطعام والشراب، وحسن صورته أمام الناس، الذين يسلّمون زمام تقديرهم إلى ألسنتهم، ومداركهم مقيدة بحركة بطونهم.

فلا للفن، ولا للأدب، ولا للعلم عندهم كبير تقدير، إلا بما يحقق لهم اكتفاءً من موارد الغذاء، وإلا كانت قيمته هباءً في معتقداتهم. إنهم أجساد بشرية تعلوها رؤوس فارغة، تظن أنها تحتكر الحكمة، حين ترتبط أعمالها بمبدأ المكسب والخسارة، وتظل على جهلها وطمعها وحسدها، تجري خلف كل مال ومكسب. وميزان نجاح المرء في اعتقادهم هو ما يحققه من تلك المكاسب المادية، ولا يعرفون لعقولهم فضلًا إلا بما تجلب لهم من أرباح في سوق البيع والشراء. حتى القيم الأخلاقية العليا ترتبط عندهم بميزان تحقيق المنفعة المادية، إنها عقول أطفال تغريها قطعة الحلوى حتى تفعل الشيء، هو يفعل الخير لينال الحلوى، لا حبًا في الخير، ولا طلبًا لعلو القيمة، وإنما لتحقيق منفعة من الذكر الحسن، تنفعه في كسب مادي، أو لينال بين الناس صيتًا.

ولا رسالة أخرى لعقله وقلبه إلا تسخيرهما لبطنه. فإذا دققت النظر إليه وجدته ميتًا لا روح فيه، أجوف منتفخًا أمام ذوي البصائر الكليلة وأمثالهم، ممن يدورون حول أصنام الشهوات والصيت، ويغريهم ثناء أمثالهم، ممن لا يعنيهم إلا الوقوف أمام أجسادهم، يطيعون ما تمليه عليهم من رغبات. وليس في ثنائهم احترام أو تقدير حقيقي، وإنما تقدير لما معهم وما يملكون من المال والأطيان.

وهؤلاء ليسوا قدوة أخلاق، ولا مثلًا عليا، وإنما هم نماذج للجشع، وقلة العقل، والجهل المطبق الذي يحيط بهم. وهم بأبصارهم الرديئة وعقولهم المريضة قدوة للشحوم لمن أراد أن يزداد رسوخًا في عالم الأوزان، أما عقولهم فهي طائشة الوزن، لا قيمة لها، وقد خلت من أرواح ترتقي بهم في عالم الإنسان.

يتوسلون في تحقيق رغائبهم بكل وسيلة، ولو جاءت من مهانة الروح، والطمع، والجشع، وبخسائس الأمور وأدناها. إنها خسة النفوس حين تطيع الجسد، وتنسى حقها من عمل العقل والروح. والمنفعة قائمة تعمل عملها حيث لا عمل لغيرها في وجودهم، وطلب المال شهوة طاغية على نفوسهم.

ترى أحدهم، وعنده من المال الكثير، وهو في أرذل العمر، فلا يكف عن جمعه وتكديسه، ويبخل حتى على نفسه في ضرورات الحياة، ولو أنفق فبعد جهد عسير. ويعيش عيشة الفقراء المقترين، ولو قام أحد له بعمل، فإنما يفاوضه ليقتطع من عرق الأجراء وأصحاب المهن الصغيرة، أما إذا باع، فلا مجال للمفاصلة، رغم غلو سعره. فشحّه متأصل فيه، كأنه فطرة فُطر عليها.

والأغرب أن المال يصبح وسيلة شقائه، وربما كان وسيلة شقاء أبنائه من بعده، إذا كانوا نسخًا متقاربة منه في الشح والطمع، وخدمة أجسادهم، وفناء أرواحهم. وسوف يموتون، وخشية ضياع أموالهم تعكر عليهم مزاجهم. وقد يخدع الإنسان نفسه بأن حرصه على المال إنما هو حفاظًا على أبنائه، ولكن الواقع يقول إن حبه للمال نابع من نفسه، وإن حرصه عليه بدافع هذا الحب، لا غير.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق