إن الفساد له صوتٌ قوي يردع من يتهمه بأي تهمة. فالخِضْرمة في الفساد جعلت له تجربة عريقة في مواجهة الأزمات، حتى صار يبتكر ويشرّع، وينتقل من خانة المتهم إلى خانة المظلوم والمجني عليه، إن للفساد عيونًا يقظة، ورجالًا على أهبة الاستعداد، ليس للدفاع عنه صراحة، وإنما لإثبات أنهم لا يعرفونه، وأن كل عمل يقومون به إنما هو النزاهة متمثلة في أعمالهم وأخلاقهم.
إن للفساد مخالب لا تنهش الأجساد ولا ترفع سلاحًا، وإنما تنهش الضمائر والأرواح. ففي كل مكان جيش كامل من الفساد؛ قائد وجنود وأتباع يقفون للدفاع عنه بالمرصاد. والفساد واضح للعيان، يعيش بيننا، ويستفحل وينتشر، ولو رفعت إصبعك وأشرت إليه دون أن تتكلم، لارتفعت آلاف الأكف تتهمك بالخيانة والإهمال والعمالة، وأنك تهدف إلى تحطيم الوطن، واتهام الشرفاء، والطعن في النزاهة.
وليس الغريب أن نتعايش معها، لأنها ذات حصانة متينة، وهي الفئة الكبيرة التي تملك مجريات الأمور، وتصنع القرار، وتطيح بكل من يحاول أن يتفوه بكلمة، أو يقترب من صروحها، أو يهز عرش جلالتها. فالكل آمن بقوتها، فعمل على أن يشارك، ولو بالصمت، ليحمي نفسه من بطشها، ومن تعطيل مصالحه التي تقع في أيدي المفسدين، يتحكمون في تمريرها أو الوقوف في وجهها.
فالقاعدة الآن أصبحت الشذوذ، وانتصرت على الشعور بالخوف وتأنيب الضمير. فلم يعد عجيبًا أن يتقبل المرء الرشوة بيمينه، فإذا صدع المؤذن بالأذان للصلاة، ذهبت تلك الأيدي الآثمة إلى الوضوء، ووقفت بين يدي الله، وكأنها تمحو هذا الذنب، إن كان في نظرها ذنبًا بسيطًا، فهي تحرص على أن تتطهر أولًا بأول.
وفي كل منظومة تدور فيها رحى الفساد، يرتدي أهله أفخم الملابس، وأشدها وقارًا وهيبة، ويصرخون في وجه الفساد والمفسدين، ولكنهم يقصدون أولئك الذين لا يسيرون على قواعده الصحيحة، أو المبتدئين في عالمه، والساعين إلى أخذ نصيبهم منه بطرق لا تتوافق مع قوانين الفساد الشريفة إن جاز التعبير.
وهل يُرجى من مجتمع يُدار بهذا الشكل، ظاهره النظام وباطنه الفساد، أن يتسم بالخلق والعدالة؟ إنه مجتمع هش وضعيف، يقتل الأمل في الغد، ويمكن اليأس في النفوس من تحقيق العدالة. إنه صرح فارغ، انهارت فيه قوانين الخلق والعدالة التي يسعى إليها كل مجتمع فاضل يريد لأمته النهوض.
إن كل من يدخل أغلب المصالح الحكومية أو غير الحكومية يبحث عمن يأخذ الرشوة ليقضي مصلحته، وكأنها عقيدة راسخة بأن حياتنا أصبحت تُدار بهذا الشكل المقزز لكل نفس شريفة ومع كل نظام جديد يحاول أن ينهي الفساد، نرى من يستحدث له أنظمة أخرى، لتجديده بطرق تتناسب مع القوانين الجديدة. إنهم عباقرة في اختراع الدروب، وتأسيس عالمه، وإبقائه شامخًا قائمًا لا تمسه الأعطاب، إننا جميعًا ننساق نحو هول عظيم، بعد أن صار للفساد هذا الملك الواسع، الذي توغل في كل مؤسسة، حتى صار جذورًا تقوم عليها أبنية ضخمة، وجيوشًا لحمايتها، وسدودًا تجابه كل قوة تحاول أن تزلزل عرشه أو تقف في طريقه.
قد احتاج الأمر إلى سنوات، بل إلى عقود، حتى اطمأن الفساد، وصارت له قوة تكاد لا تُقهر، وربما يحتاج إلى عقود أخرى للقضاء عليه، إن فلحت قوة الخير والضمير في اجتثاثه من مكانه، ولا نريد أن نزرع اليأس في قلوبنا تجاه القضاء على الفساد؛ فلو توافرت الظروف الملائمة، والعزيمة الصادقة، والضمائر الحية، لأمكن القضاء على جانب كبير منه في وقت قصير. وليس معنى ذلك أن ينتهي كل فساد، فالفساد قائم ومستمر، ولكن المطلوب أن يضعف، وأن تضيق حدوده، وأن يُمارس في الخفاء خوفًا من العقاب، لا أن يعلن عن نفسه بكل جرأة كما يحدث الآن.
فاليوم صارت حدوده واسعة، تأكل كل خير، وكله في إطار يرضي ظاهر القوانين؛ فهم لا يخالفونها، وإنما يتحايلون عليها، فلا يؤخذ عليهم شيء. وكل ذلك بحسب ما رزق كل واحد من طمع وجشع، فهم أيضًا فئات ودرجات ومذاهب؛ فمنهم من صار الفساد عنده كالفطرة، ومنهم من اضطرته الظروف، ومنهم من تبع غيره، وغيرهم كثير، من تصانيف لا يحصيها حصر.
ولكن كيف يكون العلاج؟ أهو دواء واحد يصلح للجميع؟ أم أن هذا الداء المتمكن من العقول، والذي تختلف درجاته، يحتاج إلى أطباء يصفون لكل مريض دواءه الخاص؟ أم أن الناس لا يحملون على الأخلاق إلا بالقوة؟.
إن أشدها خطورة غلبة المنافع الشخصية على المصلحة العامة هي ما نراه في كل مكان؛ إذ يرى الإنسان أن المصلحة العامة لن تعود عليه بخير، وإنما تعود بالنفع على فئة بعينها، أشبه بالمستبدين، يعود إليهم كل خير، دون أن تنال الأمة منه شيئًا. وإن فعلوا خيرًا، فإنما يفعلونه طلبًا للذكر والثناء أمام الناس، لا عن طبيعة خيرة ترجو الخير للأمة والناس.














0 تعليق