إن صورة المشاهير في مخيلة الناس تجعل لهم شيئًا أشبه بالقداسة، وإذا تطرق خيالهم إلى حياتهم بين جدران بيوتهم، كانت صورتهم تعلو بهم إلى نظام خاص في معاملتهم البيتية، في طعامهم وشرابهم، وأفراحهم وأحزانهم. وقد يضيق خيالهم عن التصور فيعجز، ولا يحاول تصورهم؛ لأنه أمر مجهد لا يتصور.
إنهم، في مخيلة الناس، لا يعبثون، ولا يضحكون إلا في مواعيد، ولا يتكلمون كلامًا يفهمه أمثالنا. حياتهم أشبه بالقوانين والقواعد التي لا يتجاوزون حدودها، وأشياء من هذا القبيل.
وقد يفعل الشخص موقفًا بسيطًا، لكنه يكشف عن جوانب خفية من إنسانية الرجل وعاطفته. وفي عالم السياسة على الخصوص، قد تحجب السياسة عن الناس حقيقة السياسي؛ فالسياسة قواعد يتقنها السياسي الماهر، ولكنك لا تستطيع أن تنفذ منها إلى حياته، إلى معرفته، إلى باطنه. وهذه ميزة في السياسي؛ إذ لا يبدو عليه من جوانبه النفسية ما يجعله عرضة للهجوم أو النقد. وكلما أتقن اللعبة، غاب منه قدر أكبر من إنسانيته بقدر ما احترف من أمور السياسة.
وفي عوالمهم الخفية يقول لنا الواقع إنهم بشر مثلنا؛ يضحكون ويبكون، ويقولون النكات ويتندرون، ويحملون أبناءهم فوق أكتافهم، وربما امتطوهم وهم يلاعبونهم. يخطئون ويصيبون، وتقع بينهم أحيانًا وبين زوجاتهم مشكلات، وقد يعجزون عن تربية أبنائهم أو معالجة بعض سلوكياتهم، وكثير من هذه الأمور التي يتعرض لها جميع الناس في كل مكان وفي كل زمان.
لكن هذا الجانب، وإن كان خفيًا عن أعيننا، لا نراه؛ فنعتقد أنهم لا يمرون بما نمر به من عثرات وعقبات، لأنهم أكثر معرفة بها، وأنهم يعالجون أسبابها قبل أن تقع، فلا تقع، ولا يرونها أبدًا.
محمد حسنين هيكل، ذلك الرجل الأسطورة في عالم السياسة، جالس الملوك والرؤساء والزعماء، ولف العالم من مشرقه إلى مغربه، ونقل لنا بقلمه أخباره وسياساته وحروبه. ولم يكتفِ بذلك، بل كانت له يد في رسم معالم بعض السياسات؛ أي كان له يد في صناعة التاريخ، كما لأي زعيم أمة أو رئيس دولة أو ملك من ملوك الدول.
فقد صنع لنفسه مملكة مثل ممالكهم، وإن كانت مملكته خلف الستار، فإن أثرها كان أقوى من أثر كثير من أصحاب السلطة؛ بما تمليه من قرارات تساهم في حركة الأحداث وتوجيهها. وكان عقلًا فذًا في رؤية الأحداث وربطها واستنتاج نتائجها، وغالبًا ما تحققت توقعاته بناءً على رؤية واقعية للأحداث الجارية.
فتقدمت كلمته، وكانت لها أهميتها، لا على مسامع دولة وشعب فقط، ولا حتى على مستوى منطقتنا العربية والشرق الأوسط، هذه المنطقة التي تغلي بالأحداث والحروب، وإنما على مسامع الساسة والشعوب في مختلف دول العالم، عند تحليل الأحداث ورؤية المنطقة ودراستها.
هذا السياسي المحنك، ذو الرؤية والتحليل الدقيقين للأحداث السياسية، لم يكن في جانبه الآخر، أو في حياته الخاصة بعيدًا عن الأضواء والشهرة، إلا إنسانًا طبيعيًا؛ يقرأ دواوين الشعر أو رواية لفطاحل الأدب الروسي، أو يستمع إلى الموسيقى، ويقرأ في التراث كما يقرأ في الأدب الحديث.
كان ودودًا في معاملته للناس، حتى الخدم، رقيق الحاشية، يبكي من فرط شعوره بفقد من يحيطون به، حتى لو كان عاملًا بسيطًا في جريدة، أو فقد صديقًا تجالسه بعيدًا عن أمور السياسة.
فلا تتخيل أن هذا يمت بصلة إلى ذلك الرجل الذي نراه في عالم السياسة. فمن تواضعه وطيبته، حين يضحك، يبدو أشبه بطفل يضحك، ممتلئًا بنقائه وصفائه. كان يقدم سلامة الإنسان على أي شيء آخر.
وعندما احترقت مكتبته، وكانت أشبه بكنوز فكرية وتاريخية، وبها نوادر من الوثائق، اطمأن عندما علم أن زوجته وأبناءه بخير. وظل وفيًا لها إلى آخر لحظة من حياته، يحفظ عهد الحب والعِشرة الطويلة بينهما.
لم نسمع عنه ما يخدش كرامة الرجل أو ينزل بقدره في تعاملاته الإنسانية مع الآخرين، مهما كانت أقدارهم أو مناصبهم.











0 تعليق