كان شعر أبا العلاء المعري، صوت العقل والحكمة والوقار، غاص في عالم الماهيات الكبرى، وكان له ذهن يتفتق ليربطنا بأصول الأشياء، زهد في الحياة، وأستخف بمتعها، وكان له السلطان في قيادة نفسه، وكبح جماحها وأهوائها، ورأى الدنيا خداع باطل، فنفض قلبه من التعلق بها، فكان أشبه بالمتصوف المنقطع عن علائق الدنيا، لأنه علم علم اليقين حقيقتها، وأكرم للإنسان أن لا يكون مادة طيعة، في يد الزمن تصرفه كيف يشاء، ويسعى بلا إرادة وقد فقد نفسه، بعد أن أسلم زمامها لأخس ما في الإنسان من هوى وضعف، أمام مغرياتها، فوجد في العزلة عن الناس غايته ومأربه، وفرضها على نفسه طواعية، فكان له اعتزاز شديد بكرامته ونفسه أن يراها في موضع لا توقر فيه، أو يستهين به أحد من الناس، من هؤلاء الذين لا يقدرون قدره، فيربأ بنفسه عن مخالطة جاهل أو حاسد أو سفيه.. وقد بلغت شهرته الأفاق، وحج إليه الأدباء والعلماء وطالبي العلم من كل مكان، وكان هو هو في معيشته وزهده، ولو أراد الغنى وترف الحياة لما ضل طريقها، واستعصت عليه، ولا تسعت له الدنيا مقبلة غير مدبرة، ولكنه أغلق كل باب وسد منافذها، بل صفع في وجهها الأبواب بلا هوادة، ولا ندم فكان معنى للواجب حين يفرض على صاحبه حدوده وألتزاماته وأدابه وقوانينه.
فإن كان شاعرنا سجن جسده، وقيد حركته، فلم تكبح جماح روحه، حتى انطلقت في عالم ما بعد الموت، وقد ضاقت بها الدنيا، ولم تفي بما عنده من فكر وشعور، وخط بقلمه وفكره وخياله رحلة من أمتع الرحلات، إلى العالم العلوي، رسالة الغفران، يتفقد أحوال الناس بعد أن استقرت أرواحهم وأجسادهم، في عالم الملكوت، وما به من جزاء، جنة كانت أو نار ..قد فر من كل قيد، القيود الاجتماعية وقيود السلطة السياسية، التي قد تحيط بأسلاكها الشائكة العقل، وتفرض عليه حدا لا يتجاوزه، ولم يكن ليقبل حدودا لعقله، يمنعه من خوض موجات الفكر، سابحا ومجازفا وطارقا كل معنى، يناقشه ويحلله ويحكم فيه بحكم العقل والمنطق، لذا كان له ثورة تطيح بكل عقيدة ورأي، لا ترتكز على عقل يؤيده ويرسخ القول فيه، فكثر نفوره من الناس الذين يأخذون الأشياء على علتها بلا فكر ولا روية ولا منطق سديد يؤازرها، فلم يكن قلبه يعرف الخوف ولا عقله إلا التحدي، حطم كل قيد يقف عائقا أمام العقل، قيد الأعراف والتقاليد، وما يفرضه الشيوخ كأنها قوانين إلهية، وظل يهدم قيد وراء قيد، حتى أصبح عقله وذهنه هو الحكم في كل ما يقابله من قضايا بعد أن يعرضه عليه، بما فيه من محامد ومثالب، فكان جزائه بعد ذلك الرمي بالكفر والزندقة، ففي الأزمان المتوالية، يحارب الناس من يطعن في التقاليد البالية، من يسخر عقولهم وأرواحهم، وهم مساقون من رقابهم إلى أحكامها، مهما خالفت العقل وزجت بهم في سجون الجهل وأغلاله، فقد نظر الشاعر نظرة المتأمل الفيلسوف في نواحي الحياة، وما يعتريها من موت وحياة، شقاء وسعادة، نظر في مكانة الإنسان وفعله واختياراته، وحقيقة الحقائق حين يدعي كل صاحب دين أنه الحق، وما خالفه هو الباطل، ومنازعات لا نهاية لها ودماء تهدر وفتن إثر فتن، ثم يدعو إلى نبذ العنف وآن الإيمان الذي تفرضه الأديان والعقل، هو آن ينتهي الشر من النفوس، ويتعايش الناس بقلوب بصيرة.

















0 تعليق