إن الطريق إلى الجريمة يبدأ من داخل النفس؛ فهي لا تولد فجأة، بل تنشأ فكرةً أو خيالًا، ثم تنمو بين خلجات النفس حتى تتهيأ لها الظروف فتخرج إلى عالم الواقع. وقد تغذيها البيئة، أو المجتمع، أو الشدائد، فتظل تتصارع مع ضمير الإنسان حتى تغلبه، ثم تنطلق من مخبئها لتقع، فتلوث صاحبها، وتوصمه بعارها، وقد يفلت من العقاب أو يكون عقابه السجن أو الإعدام أو غير ذلك من العقوبات إذا انكشف أمره وثبتت جريمته.
غير أن الجرائم ليست كلها واضحة الملامح محسوسة؛ فهناك جرائم ترتكب وهي ترتدي ثوب الوقار والحكمة، فلا يسهل التعرف عليها، وربما كانت أشد أثرًا في النفوس وأكثر ضحايا. ومن أخطرها جرائم الفكر؛ فهي لا تغتال الأجساد، بل تغتال الأرواح والضمائر، ويكون ضحاياها من ضعُفت عقولهم، وقصُرت معارفهم، وعجزوا عن الموازنة بين الأمور وإدراك مقاصدها وغاياتها.
وأصحاب هذه الجرائم يظلون طلقاء يعبثون بالعقول، ويسوقون القلوب والأفهام، تارة باسم الدين، وتارة باسم الحقيقة التي توهموها حتى صارت في نظرهم أحكامًا ثابتة وقوانين لا تقبل النقاش. ولا يعجزون عن سوق المبررات التي تؤيد أحكامهم الجائرة، بينما حقيقتها أنهم طلاب سلطة يسعون إلى بسط نفوذهم على الأرواح، وتعزيز مكانتهم بين الناس.
فهل يدرك هؤلاء خطورة ما يقترفونه في حق الآخرين، وفي حق أمتهم؟ إنهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، وأن ما يفعلونه جهاد في سبيل الحق الذي يعتقدونه. ومع تقادم الزمن لا تنقطع أفكارهم، بل تتوارثها الأجيال دون هداية من عقل أو استرشاد بمنطق. وكل من ينتقدها، أو يكشف زيفها، أو يناقشها بالحجة، يُتهم عندهم بأنه عدو مأجور يسعى إلى هدم الفضيلة ونشر الانحلال.
وهكذا يقتلون الضمير بصدأ التعصب، ويرفضون كل رأي يخالف أهواءهم، فتكون النتيجة إخفاقًا متكررًا، لأنهم لا يتعلمون من هزائم أفكارهم أمام منطق سليم يرفض الانقياد بلا دليل أو برهان.
وفي أوقات الأزمات تراهم يختبئون في الخنادق، ويحرصون على سلامة أنفسهم، بينما يدفعون أتباعهم إلى ساحات المواجهة، بعد أن ربطوا أفكارهم بهالة من القداسة، فأشعلوا الحماسة في قلوبهم، في حين بقيت قلوبهم هم خاوية من وهج الإيمان الصادق الذي يزكي النفس، ويدفع صاحبها إلى التضحية بما يؤمن به قبل أن يطالب غيره بذلك.
إنهم يؤمنون كذلك أنهم طبقة مختلفة، وأنهم رؤوس خُلقت للقيادة، لا أفراد من عامة الناس، ولذلك لا يرون بأسًا في أن يضحوا بغيرهم حفاظًا على مواقعهم ومصالحهم، ولو كان الثمن أرواح الأبرياء ومستقبل الأوطان.

















0 تعليق