خالد دومة يكتب: العقيدة وبناء الإنسان

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تلك العقيدة التي أرست قيمًا إنسانيةً عليا تقود الإنسان إلى الكرامة التي يستحقها، بثَّت في نفوس المؤمنين بها الإيمان بالحرية والمساواة، وجعلت للإنسان ـ مهما اختلفت جنسيته أو لونه أو لغته ـ قيمةً تسمو على حدود الوطن والجنس والعرق. فالإنسان بما يحمله من عقل وقلب ووعي هو ذلك المخلوق الذي استخلفه الله في أرضه، وسخر له ما فيها من نعم وآيات، ليتعلم ويعرف ويرتقي في مدارج الكمال، فيبدأ من إدراك الأشياء البسيطة حتى يبلغ أسمى مراتب المعرفة.

لقد غيَّرت هذه العقيدة وجه التاريخ والحياة، ومنحت الإنسان مكانته الحقيقية، وجعلته محورًا للعمران والإصلاح. ولم تبدأ رحلتها بإصلاح الجسد أو المظهر، وإنما بدأت بإصلاح الداخل؛ لأن معرفة الإنسان لنفسه هي الخطوة الأولى لمعرفة رسالته في الحياة. فإذا استقرت العقيدة في القلب وامتلأ بها الكيان، حررت الإنسان من التشظي والانقسام، وقدمت له الإجابات التي تبحث عنها روحه، وأرشدته إلى حقيقة وجوده ومصيره، وحددت العلاقة المتوازنة بين مطالب الروح وحاجات الجسد، فلا تطغى إحداهما على الأخرى.
إن العقيدة قوة تمنح الإنسان بصيرةً ووعيًا، وترسم له حدود المسؤولية، وتفتح أمامه آفاقًا واسعة للعمل والارتقاء. وهي لا تترك الفرد أو المجتمع دون منهج، بل تضع القواعد التي تهديه إلى طريق النجاة والسداد، سواء في حياته الدنيا أو في الحياة التي تنتظره حيث يُحاسب على ما قدم من خير أو شر. كما تقدم الإجابات عن القضايا الكبرى التي قد توقع الإنسان في الحيرة، فتمنحه الطمأنينة التي تعينه على مواجهة الحياة بثبات ويقين.
فماذا تصنع العقيدة في نفس الإنسان؟ وكيف تغرس فيه ذلك السلام الداخلي الذي يبدد الشك ويمنحه السكينة؟ إن العقيدة التي لا تُحدث تغييرًا حقيقيًا في الإنسان، ولا تغرس فيه قيمةً إنسانيةً ساميةً يعيش من أجلها، ليست إلا وهمًا مؤقتًا؛ ينهار عند أول اختبار، ويكشف هشاشة الإيمان الذي لم يتجاوز حدود التقليد.
ولهذا لا بد أن تقوم العقيدة على يقين راسخ، يجمع بين اقتناع العقل وطمأنينة الروح، لا على مجرد العادات أو الموروثات أو اتباع الأكثرية. فليست قوة العقيدة في كثرة المنتسبين إليها، ولا في كثرة الطقوس التي تؤدى باسمها، وإنما في قدرتها على أن تمتزج بروح الإنسان، فتقود سلوكه، وتصبح منهجًا لحياته. فإذا بلغت هذه المنزلة، أخلص لها الإنسان كما أخلصت له، ومنحته الطمأنينة، ورسمت له طريقًا واضحًا يهتدي به، مع بقاء قدرتها على استيعاب تغيرات الزمان في إطار مبادئها الكلية الثابتة.
ومع الأسف، فإننا من أكثر الناس حديثًا عن العقيدة، وأقلهم استحضارًا لها في واقع الحياة. فكثير من دفاعنا عنها لا يتجاوز حدود الألفاظ، بل أصبح في أحيان كثيرة ميراثًا اجتماعيًا لا معرفةً واعيةً بمقاصدها وأهدافها الإصلاحية.
فالحرية والمساواة من أعظم المبادئ التي قررتها عقيدتنا، غير أننا لا نرى أثرهما واضحًا في كثير من صور واقعنا. فما تزال العصبية تهيمن على المجالس والحوارات، ويُقاس الناس بأنسابهم أو وظائفهم أو انتماءاتهم، مع أن العقيدة ترفض كل صور التمييز، وتجعل معيار التفاضل هو العمل الصالح والتقوى.
لقد كان أبو لهب عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يغن عنه نسبه شيئًا، وكان بلال عبدًا حبشيًا، فرفعه إيمانه حتى صار رمزًا للعزة والكرامة. وهكذا تؤكد العقيدة أن قيمة الإنسان لا تُستمد من أصله أو لونه أو مكانته الاجتماعية، وإنما مما يحمله في قلبه من إيمان، وما يقدمه في حياته من عمل صالح.
أما الذين يخلطون بين التعصب والدين، فيجمعون بين الظلم وادعاء التدين، ثم ينسبون أفعالهم إلى العقيدة، فإن العقيدة بريئة منهم ومن أفكارهم. فهي تدعو إلى العدل، وتنهى عن الظلم، وتأمر بالإحسان، وتحارب العصبية بكل صورها. ومن يؤمن بها إيمانًا سطحيًا لا يتجاوز ظاهر القول، فإنه في الحقيقة يحارب مبادئها قبل أن يحارب غيره، لأنها لا تقبل أن تكون ستارًا للتفرقة أو وسيلةً لتبرير الباطل.
إن العقيدة الحقة لا تكتفي بأن يعلنها الإنسان بلسانه، بل تظهر آثارها في أخلاقه وسلوكه، وفي نظرته إلى الناس، وفي عدله معهم، ورحمته بهم. فإذا لم تُثمر هذا كله، فقد بقي منها الاسم، وغابت حقيقتها.

أخبار ذات صلة

0 تعليق