في عالم الله لا شيء يثبت على حاله، ولا شيء يحتفظ بملامحه الأولى. كل شيء يتلاشى شيئًا فشيئًا، ويتحوّل الإنسان إلى كائن آخر ذو طبيعة مختلفة؛ ترتقي نفسه وتصفو، وتبصر ما لم تكن تبصره من قبل، وترى الأشياء بعيون جديدة تتجاوز حدود الرؤية الأولى.
تتسلل إلى جوهر الأشياء، فتبدو لك البواطن كأنها ظواهر مكشوفة لا لبس فيها ولا تردد. تنكشف الحقيقة بكامل ثقلها، بما فيها من نقصٍ وكمال، بما فيها من جمالٍ وخلل، بما لا يراه كثير من الناس. فتتوه في ما ترى، وتتعثر بالدهشة عند كل التفاتة، وتحدق أكثر لتتأكد أنك لا تزال في عالم الواقع، لكنه واقع يزدحم بمدن داخل النفس، مدن كثيفة، متشابكة، مليئة بالتناقضات.
كان مولده ﷺ بداية فتحٍ جديدٍ في عالم الروح، وفي تقدير الإنسان، وفي ترسيخ مكانة الإنسانية في عالم الرحمة. فالإنسان حين يعيش بلا قوانين يتوحش، ويشعر أن حياته تقوم على القوة، فإن فقدها فقد حياته، وما بعد الحياة عنده إلا العدم. لذلك يتصارع بكل قوته ليبقى على قيد الحياة. فإذا وُضعت القوانين، جعلت بينه وبين أمنه البدني جسرًا يضمن له البقاء، لكنه يظل يفتقد إلى ما هو أهم؛ إذ يحتاج إلى قوانين تشمل كيانه كله، قوانين ترسم خطى جسده، وتعرفه بمعنى روحه، فتقدم له غذاءً صالحًا لجسده يحفظه ويصونه، كما تقدم غذاءً لروحه يفسر له حقيقة الحياة، ويمنحه الطمأنينة، ويحرره من أوهام الضلال.
جاء الإسلام فنظر إلى الإنسان نظرة تقدير واحترام لكرامته ومعنى وجوده، فلم يجعل المال ولا السلطان ولا أي شيء آخر معيارًا لرفع الإنسان أو خفضه، بل منح الحياة معنى جليلًا، ومحا ما تراكم من آثار استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وما خلّفه ذلك من تكدير لصفاء الروح.
وكان مولده ﷺ حدثًا تاريخيًا عظيمًا في حياة الإنسانية، وحدًّا فاصلًا في اكتمال إنسانيتها، بعد أن مزقتها عصور التاريخ، وفرقت بين الجسد والروح، وجعلت الإنسان سلعة، ومسخت روحه، وشوهت أعماقه. فجاء مثالًا عظيمًا لوحدة الإنسان وانسجام جسده وروحه، وكانت نفسه وأعماله المثل الأعلى الذي لم تعرف الأرض له نظيرًا قبله.
لقد سطع نوره على القلوب قبل العيون، وأشرق في الضمائر قبل أن يظهر في مظاهر الحياة المادية وقوانينها. وقد بلغ الغاية في كل خلق كريم؛ فالصفات الفاضلة التي تتفرق بين الناس، ويصعب أن تجتمع في شخص واحد، اجتمعت فيه ﷺ على أكمل صورة، فكانت تنبع منه لتفيض على البشرية كلها، فيغدو نموذجًا ربانيًا إنسانيًا تتوجه إليه القلوب والأرواح، لتنهل من هديه، وتتخلق بأخلاقه، وتتزود من سيرته.
وقد عاش النبي ﷺ بين الناس يمنح كل من لقيه من علمه، وحنانه، وإنسانيته؛ يعلم، ويربي، ويؤدب، فكان نورًا وهدايةً وطمأنينةً للعالمين.


















0 تعليق