إن آفة المظاهر الكاذبة من أخطر الأمراض الاجتماعية التي أصابت كثيرًا من الناس، حتى أصبحت شهوة خبيثة تدفع أصحابها إلى إنفاق الأموال واستنزاف الأعصاب لإثبات تميزهم على من حولهم. ويتنافس بعضهم في رفع مكانته بين الناس، مرة بالمال، وأخرى بعراقة النسب أو بما يسمونه الأصالة، بينما لا يجد جهد الفقير ولا إخلاص العامل المخلص أي تقدير في أعينهم؛ فهي أعين لا ترى إلا المال أو السلطة أو النفوذ.
ولا تقتصر هذه الآفة على الأغنياء، بل قد نجدها عند بعض الفقراء أيضًا، حين يحاول أحدهم تعويض شعوره بالانتقاص من الآخرين أو التفاخر بمكانة اجتماعية متوهمة. وهذا يدل على أن مجتمعاتنا ما زالت تعاني خللًا عميقًا في منظومة القيم، حيث يُقاس الإنسان بما يملك لا بما يقدم.
وقد يقع بعض المتعلمين في هذا الداء أيضًا، متأثرين بعادات اجتماعية متجذرة، فينساقون وراء التفاخر والمباهاة، بدل أن يكون العلم وسيلة لتحرير العقول من هذه الأوهام. بل إن هذه الظاهرة قد تتسلل إلى بعض المتدينين ممن يتصدرون الجلسات العرفية، لحل النزاعات والإصلاح بين الناس، فتراهم يتقدمون وكأنهم ملوك، تُفسح لهم المجالس، وتُقدم لهم أفخر الضيافات، فيمتلئون زهوًا وعجبًا، غافلين عن أن الكبر والعجب يمحوان الإخلاص ويُنقصان ثواب العمل.
والأخطر من ذلك أن بعض الأحكام والقرارات تُبنى على أعراف اجتماعية زائفة لا تعرف العدل ولا الإنصاف، فيُقدَّم أصحاب النفوذ والوجاهة على غيرهم، وتُهمَّش قيمة الإنسان وكرامته من بُسطاء الناس. وهذه الفروق ليست سوى بقايا من تراث الجاهلية وتأخر الجماعات، حين كان الناس يُوزنون بميزان القوة والمال، لا بميزان العدل والإنسانية.
ولا يقتصر انتشار هذه الظاهرة على المجتمعات الفقيرة أو الغنية، وإنما مصدرها الحقيقي هو ضعف التربية، وغياب الثقافة، وخلو النفوس من القيم التي تُعلي من شأن الإنسان لذاته. فهي كخيوط العنكبوت التي تراكمت عبر الزمن، حتى غطت نوافذ العقول، وحجبت رؤية الحقيقة، فأصبح كثير من الناس عاجزين عن التمييز بين القيمة الحقيقية والمظهر الزائف.
وما زلنا نعيش هذا الصراع، ونتمسك بغبار الماضي، ونتفاخر بما لا يرفع قدر الإنسان عند الله ولا عند العقول السليمة.
لعل السبب في تمكنها من النفوس، يعود إلى نظام اجتماعي يُغذي هذا الشعور عند الجميع، ويجعل الوجاهة المادية معيارًا للتقدير، في حين أن الشهادات وحدها لا تصنع إنسانًا مثقفًا واعيًا. فالعلم ليس ورقة تُعلَّق على الجدران، وإنما هو مفتاح يفتح لصاحبه أبواب المعرفة، ويوسع أفقه، ويجعله يدرك أن قيمة الإنسان فيما يحمله من أخلاق وعلم وعمل، لا فيما يملكه من مال أو سلطة.
ولن يتخلص المجتمع من هذه الآفة إلا إذا جعل الثقافة والمعرفة والتربية السليمة أساسًا لبناء الإنسان، فبها تتسع المدارك، وترتقي العقول والقيم، ويُقاس الناس بأعمالهم وأخلاقهم لا بمظاهرهم.
وفي حياتنا اليومية نصادف هذه الفئات في مختلف المؤسسات والمعاملات، مما يؤكد اتساع أثر هذه الظاهرة وانتشارها في المجتمع. والتخلص منها ليس أمرًا يسيرًا، بل يحتاج إلى سنوات من التربية والتوعية وترسيخ ثقافة العدل واحترام الإنسان، حتى تعود القيم إلى موضعها الصحيح، ويصبح التفاضل بين الناس بالأخلاق والعمل الصالح، لا بالمظاهر والوجاهة الزائفة.















0 تعليق