مواجهة أمريكية للجماعة الإرهابية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 30/نوفمبر/2025 - 07:14 م 11/30/2025 7:14:58 PM

لم أفاجأ بالقرار التنفيذى الذى أصدره الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى يقضى بتصنيف بعض فروع أو تقسيمات جماعة «الإخوان المسلمين» كمنظمات إرهابية أجنبية وفقًا للمادة رقم 219 من قانون الهجرة والجنسية الأمريكى، وتصنيفها كذلك كإرهابيين عالميين محددين بصفة خاصة، وفى هذا السياق تنخرط فروعها فى لبنان والأردن ومصر فى أعمال العنف أو تسهلها وتدعم حملات لزعزعة الاستقرار فى تلك الدول وبمواطنى ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية بها.. على أن يقدم وزيرا الخارجية والخزانة الأمريكيين مع الاستخبارات والمدعى العام خلال ثلاثين يومًا من تاريخ هذا الأمر «الصادر فى 24 نوفمبر 2025» تقريرًا للرئيس يحدد أى فروع الإخوان يجب تصنيفها كمنظمات إرهابية وبعد 45 يومًا يجب إنهاء الإجراءات الرسمية لتصنيف هذه الفروع ضمن قوائم الإرهاب وتطبيق الإجراءات الرسمية عليها.
ويأتى عدم مفاجأتى لهذا التوجه الأمريكى نتيجة العديد من الإرهاصات التى شجعت الرئيس الأمريكى على إصداره.. من أهمها:
- إن الجمهوريين بصفة عامة فى أمريكا بخلاف الديمقراطيين لا يميلون إلى اعتبار جماعة الإخوان فصيلًا سياسيًا يمكن التعامل معه، حيث تنطلق رؤية الرئيس الحالى ترامب إلى اعتبارها خطرًا جسيمًا على الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة وأن دولًا عربية حليفة له ومؤثرة عليه كالإمارات والسعودية ترى فى الإخوان خطرًا وعدوًا، وهى دول لها تأثيرها المهم والفارق على ترامب وإدارته. 
- إعلان العديد من الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية مثل فرنسا وألمانيا وأيرلندا وإنجلترا وإسبانيا أن جماعة الإخوان تمثل خطرًا داهمًا عليها وأن تمددها داخل تلك الدول من خلال الجمعيات والمنظمات والمؤسسات المالية أصبح يمثل تأثيرًا كبيرًا على صناعة القرار فى تلك الدول.. بل إن المجلس الأوروبى للسياسات فى تقرير صدر له مؤخرًا يدرس خيارات جديدة لمواجهة نفوذ الإخوان تتراوح بين تشديد الرقابة على التمويلات الخارجية ووضع قوائم مراقبة خاصة بالمنظمات المرتبطة بالحركات الإسلامية السياسية.
- إعلان ولاية تكساس الأمريكية التى تضم واحدة من أكبر الجاليات المسلمة فى الجنوب الأمريكى بقيادة الحاكم الجمهورى جريج أبوت- وهو أحد المقربين من الرئيس الأمريكى- إدراج جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» ضمن قائمتها الخاصة بالمنظمات الإرهابية الأجنبية والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود.. وقد تضمن هذا القرار منع المنظمتين من شراء أو امتلاك الأراضى داخل الولاية كما يمنح لسلطات إنفاذ القانون هناك صلاحية اتخاذ إجراءات تهدف إلى إغلاق فروعها أو وقف أنشطتها.
- فوز الأمريكى المسلم زهران ممدانى برئاسة ولاية نيويورك وهى الولاية الأهم اقتصاديًا وسياسيًا ضمن الولايات الأمريكية، وهو الأمر الذى تحول إلى مناسبة دينية وانتصارًا لجماعة الإخوان الإرهابية، حيث راحت كتائبها الإلكترونية تملأ الفضاء الافتراضى تهليلًا وتكبيرًا وكأن الجماعة قد حققت نصرًا للإسلام والمسلمين فى الغرب وجعلته يظهر كرمز إسلامى على الرغم من أنه لم يخف دعمه للمثلية الجنسية وحقوق الشواذ، وهو موقف يصطدم جوهريًا بثوابت الدين الإسلامى وقيم المجتمع المحافظ الذى تزعم الجماعة الدفاع عنه، إلا أن النفاق السياسى والفكرى الذى يتطبع به منهج الإخوان منذ نشأتهم، وكذلك مقدرتهم المستمرة على تزييف الوعى العام عبر خلط الدين بالمصالح جعلهم يعلنون أن زهران ممدانى يمثل بالنسبة للأمة الإسلامية «رمزًا إسلاميًا يرفع له التكبير والولاء».. وفى اعتقادى أن لقاء الرئيس الأمريكى معه مؤخرًا وعدم الإعلان عن كل ما تم فى هذا اللقاء سوف يجعل ممدانى يتراجع شيئًا فشيئًا عن وعوده التى تتعارض مع مصالح رئاسة وأجهزة وهيئات الولايات المتحدة الأمريكية.
- إن الزيارات المتعاقبة للعديد من القيادات العربية خاصة السعودية والأردن والإمارات كما جاءت الاتصالات المصرية مع المسئولين الأمريكيين، والتى توجت بلقاء السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى مع الرئيس الأمريكى ترامب فى شرم الشيخ لتؤكد رفضهم الكامل على وجود تلك الجماعة الإرهابية لما تمثله من خطورة على بلدان الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى الدول العربية التى ترتبط مع الولايات المتحدة بصفة خاصة لما لها من تأثير كبير على الأعمال الإرهابية التى تحدث بالمنطقة وليس أدل على ذلك من محاولة قلب نظام الحكم فى الأردن وارتباط الجماعة بحركة حماس فى غزة وحزب الله فى لبنان وإيران.
- أيضًا كان من أسباب صدور هذا القرار ذلك التعنت الذى تبديه حركة حماس التى تعتبر الذراع العسكرية لجماعة الإخوان الإرهابية لاستكمال خطوات عملية السلام التى تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ما زالت تماطل فى الاتفاق على تسليم أسلحتها وانخراطها ضمن منظومة فلسطينية واحدة كى يعود السلام إلى المنطقة، وهو الأمر الذى استشعر معه الرئيس الأمريكى خطورة تلك الحركة المدعومة عسكريًا وسياسيًا من جماعة الإخوان الإرهابية.
كانت تلك بعض الأسباب التى أعتقد أنها كانت وراء صدور الأمر التنفيذى المشار إليه، إلا أننا لاحظنا أن هذا القرار لم ينص صراحة على اعتبار جماعة الإخوان ككل منظمة إرهابية بشكل عام، ويبدو أن ذلك يعود إلى العديد من الأسباب والاعتبارات التى من أهمها:
- إن تصنيف الجماعة بوجه عام كمنظمة إرهابية قد يؤدى إلى تأجيج التطرف وإلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط، حيث توجد للجماعة فروع ومصالح ممتدة فى جميع أنحاء العالم العربى.
- وجود أعداد كبيرة من الجاليات والمنظمات الإسلامية فى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذى يترتب على إعلان الجماعة بأنها منظمة إرهابية تزايد شعور تلك الأعداد بالتهميش والافتئات على حقوقهم المشروعة، وهو الأمر الذى سوف يترتب عليه توتر فى العلاقة بين تلك الجاليات والمؤسسات الفيدرالية الأمريكية.
- احتمالية الطعن فى قانونية هذا القرار؛ نظرًا لتعدد فروع الإخوان وتفاوت طبيعتها بين من يمارس العمل الدعوى والاجتماعى ومن ينخرط فى المجال السياسى.. وهو ما قد يؤدى إلى زيادة التعاطف والاستقطاب الداخلى هناك.
-احتمالية تعاطف الفصائل والأحزاب الإسلامية المعتدلة فى المنطقة العربية مثل حزب العدالة والتنمية فى المغرب وحزب النهضة فى تونس، وهذا الخلط قد يؤدى إلى تآكل المسارات السلمية لتلك الأحزاب وزيادة الجذب نحو التطرف العنيف.
ومن هذا المنطلق فإننى لا أعتقد أن يتم تصنيف الجماعة بأكملها كمنظمة إرهابية، على الأقل فى الوقت الحالى، وعلى الرغم من كل ذلك فإننى أرى أن القرار الأمريكى سوف تترتب عليه عمليات متتالية من تصنيف جماعة الإخوان فى عدد من الدول الغربية، سواء تجاه مؤسساتها الفاعلة فى تلك الدول أو على مستوى الأفرع التى تم تصنيفها أنها تمثل كيانات إرهابية؛ مما يضع قيادات التنظيم الدولى للجماعة فى مأزق كبير، خاصة بالنسبة لكوادرها الهاربة فى لندن وقطر وتركيا أو حتى فى الدول الغربية مثل كندا وفرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وماليزيا.. كما يمثل التصنيف الأمريكى فى الحقيقة تحولًا نوعيًا فى السياسة الخارجية الأمريكية تجاه تيارات الإسلام الحركى بشكل عام.
وللحديث بقية للوقوف على آثار القرار التنفيذى الأمريكى.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق