في تطور قانوني مهم يتعلق بحرية الإبداع في مصر، نشر الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى عبر حسابه على منصة «إكس» تفاصيل حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، والتي قضت برفض الدعاوى المقامة لوقف عرض فيلم «الملحد» وسحب ترخيصه، مؤكدة أن العمل الفني لا يتضمن أي شكل من أشكال التحريض على الإلحاد أو الإساءة للقيم الدينية.
وأوضح عيسى أن الدائرة الثالثة بمحكمة القضاء الإداري أودعت حيثيات حكمها التي شددت فيها على أن السينما تُعد إحدى أبرز وسائل التعبير الفني، وأن مناقشة ظاهرة الإلحاد داخل عمل سينمائي تُعد أمراً مشروعاً لا يخالف الدستور أو القوانين المنظمة للرقابة على المصنفات الفنية. وأكدت المحكمة أن حرية الإبداع المصونة دستورياً تعلو على أي اتهامات لا تستند إلى دليل، مشيرة إلى أن المدعين لم يقدموا ما يثبت صحة مزاعمهم.
وصدرت الأحكام برئاسة المستشار الدكتور فتحي محمد السيد هلال، وعضوية هيئة قضائية تضم نخبة من المستشارين، مع حضور مفوض الدولة المستشار محمد بدر الدين محمد، وأمانة سر الأستاذ وائل أحمد أحمد.
وأشارت المحكمة في حيثياتها -التي نشرها عيسى- إلى أن المدعين استندوا إلى ادعاءات بأن الفيلم يروّج لأفكار «هدّامة» تهدد ثوابت المجتمع، إلا أن أوراق القضايا خلت من أي دليل ملموس، واعتبرت المحكمة تلك المزاعم «قولاً مرسلاً» لا يُعتد به. كما أوضحت أن النيابة العامة ليست جهة اختصاص في تحريك دعاوى سحب تراخيص الأعمال الفنية أمام القضاء الإداري، وأن هيئة الرقابة على المصنفات هي الجهة المنوطة بذلك وفق ضوابط واضحة، لم يتحقق أي منها في حالة فيلم «الملحد».
وجاء في الحيثيات أن التشريعات المنظمة للرقابة الفنية تجيز المنع فقط إذا تعارض العمل مع النظام العام أو الآداب العامة أو القيم الدينية، وهو ما لم يثبُت. كما كشف تقرير الرقابة أن الفيلم يعرض قصة شاب يتمرّد على تشدد والده قبل أن يعود إلى الطريق الصحيح، دون أي تمجيد للإلحاد أو إساءة للأديان السماوية.
واستشهدت المحكمة بأحكام «الدستورية العليا» التي تعتبر السينما من أهم أدوات التعبير الفني، وأن تقييم الأعمال الإبداعية يجب أن يتم باعتبارها أعمالاً فنية لا تُقاس بمعايير فكرية أو دينية ضيقة. كما شددت على أن حرية التعبير ليست مطلقة، لكنها لا تُقيّد إلا في أضيق الحدود حفاظاً على توازن المجتمع من دون مصادرة الفكر.
التناول الفني لظاهرة الإلحاد لا يمس الدين
وفي ردها على الجدل المثار حول عنوان الفيلم، أكدت المحكمة أن التناول الفني لظاهرة الإلحاد لا يمس الدين، بل قد يسهم في كشف أسباب الظاهرة والحد من آثارها، مشيرة إلى أن «الدين بريء من المتشددين».
وفي ختام حكمها، دعت المحكمة المدعين إلى النظر للعمل باعتباره منتجاً فنياً يختلف تقييمه من شخص لآخر، معلنة رفض الدعاوى وإلزام رافعيها بالمصروفات، لتغلق بذلك باب الجدل القانوني حول عرض الفيلم وتؤكد من جديد مكانة حرية الإبداع في المشهد الثقافي المصري.












0 تعليق