هل يظن بعض الإعلاميين أنهم يرون الواقع أكثر مما يراه الناس؟ أم أن المواطن، الذي يعيش تفاصيل الحياة يومًا بيوم، أصبح أقدر على قراءة المشهد وفرز ما يسمعه وتكوين موقفه؟ هذا السؤال فرض نفسه أمام فيديو متداول لرجل بسيط اسمه عبدالعزيز الهلالي، ينتقد فيه ما يقدمه ثلاثة من مشاهير الإعلام، ويرفض خطابًا يرى أنه يحمّل محدودي الدخل وحدهم فاتورة الأزمات، ويدعوهم إلى شد الأحزمة، بينما يسأل ببساطة: من أين يشدها من لا تكفيه موارده أصلًا؟
قد نختلف مع بعض ما طرحه الهلالي من حلول، وقد تحتاج أفكاره إلى نقاش اقتصادي وقانوني، لكن قيمة المشهد ليست في أن الرجل قدم برنامجًا متكاملًا، وإنما في أنه عبّر عن سؤال يردده كثيرون: كيف تبدو القرارات والأزمات من موقع المواطن الذي يدفع ثمنها كل يوم؟
المشكلة ليست في أن يحذر الإعلام من صعوبة الأوضاع، ولا في أن يدعو إلى ترشيد الاستهلاك، وإنما في أن يتحول التحذير إلى خطاب دائم عن الخطر، دون أن يصاحبه تفسير واضح: لماذا حدثت الأزمة؟ ومن يتحمل تكلفتها؟ وما البدائل؟ ومن يملك القدرة على الاحتمال، ومن لا يملكها؟
فالناس لا تحتاج إلى من يخبرها بأن الحياة صعبة؛ هي تعرف ذلك من السوق وفاتورة الكهرباء وسعر الدواء والمواصلات ومصروف البيت.
وهنا تحديدًا يفقد الخطاب الإعلامي تأثيره عندما يتعامل مع الجمهور باعتباره متلقيًا ينتظر أن يقال له ماذا يفكر. فالمواطن اليوم يقارن بين مصادر متعددة، ويسأل ويبحث، ويعرف الفارق بين الكلام الذي يلامس حياته والكلام الذي يمر فوقها.
قد لا يكون خبيرًا في الاقتصاد، لكنه خبير في ميزانيته. وقد لا يعرف مصطلحات العدالة الاجتماعية، لكنه يعرف جيدًا معنى أن يختلف مستوى الدخول بصورة لا يستطيع معها البعض تحمل أبسط احتياجات الحياة.
وليس المطلوب أن يتحول الإعلام إلى مكبر صوت للغضب الشعبي، أو أن يردد كل ما يقوله الناس. وظيفته أعمق: أن يستمع، ويتحقق، ويفسر، ويعرض المشكلة والحلول الممكنة، وأن يضع الحقائق كاملة أمام الجمهور، لا أن يتركه أمام المشكلة ثم يقول له: شد الحزام.
إن أخطر ما يواجه الإعلام ليس أن ينتقده الناس، وإنما أن يفقدوا ثقتهم في قدرته على التعبير عن واقعهم. وحين يشعر المواطن أن هناك فجوة بين ما يسمعه وما يعيشه، فإنه يبحث عن أصوات أخرى يجد فيها نفسه. فهل آن الأوان لأن يعيد بعض الإعلاميين حساباتهم؟ وأن يدركوا أن المواطن ليس أقل فهمًا منهم، وأن بساطة لغته لا تعني بساطة وعيه؟
ربما لا يكون كل ما يقوله الناس صحيحًا، كما أن كل ما يقال في الإعلام ليس خطأ. لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن من يعيش المشكلة يملك زاوية من الحقيقة لا يستطيع من يراقبها من بعيد أن يراها كاملة. وليتهم يسمعون هذا النبض قبل فوات الأوان.
وتبقى كلمة أخيرة: إعلامنا يؤكد كل يوم أنه فاشل. وأن المنظومة كلّها تحتاج إلى إعادة نظر وأن المذيعين الموجودين على الساحة الإعلامية انتهت صلاحياتهم وصار ضررهم على الدولة أكبر من نفعهم.. فماذا نحن فاعلون؟!
















0 تعليق