«شارع الفن.. حين تستعيد القاهرة روحها»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ليست قيمة المدن الكبرى فيما تملكه من مبانٍ وطرق فقط، بل فيما تملكه من روح قادرة على الحياة والتجدد. والمدينة التي يغيب عنها الفن تدريجيًا تتحول إلى مساحة صلبة بلا ملامح، مهما امتلكت من عمران وحداثة. لذلك تبدو مبادرة “شارع الفن” التي تنظمها أكاديمية الفنون واحدة من أهم المبادرات الثقافية التي ظهرت مؤخرًا، لأنها لا تقدم عروضًا فنية عابرة فحسب، بل تعيد طرح سؤال بالغ الأهمية: كيف يعود الفن إلى الناس؟

فكرة “شارع الفن” تتجاوز مفهوم الفعالية التقليدية، لأنها تقوم على نقل الفن من القاعات المغلقة إلى المجال العام، ومن النخبة إلى المواطن العادي. حين تتحول شوارع القاهرة التاريخية إلى مساحة للموسيقى والعروض المسرحية والفنون التشكيلية، يصبح الفن جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لا نشاطًا منفصلًا عنها.

القاهرة مدينة عاشت طويلًا على الحضور الثقافي المفتوح. المقاهي القديمة، المسارح الشعبية، حفلات الموسيقى، والحوارات الفكرية في قلب الشارع؛ كلها كانت جزءًا من روح المدينة. لكن مع تغيرات كثيرة فرضها إيقاع الحياة السريع، تراجع هذا الدور تدريجيًا، وأصبحت العلاقة بين الفن والجمهور أكثر عزلة ونخبوية.

ومن هنا تأتي أهمية “شارع الفن”، لأنه يعيد بناء هذه العلاقة بصورة طبيعية وبسيطة. المواطن الذي قد لا يذهب إلى المسرح أو دار الأوبرا، يمكنه أن يتوقف في الطريق ليستمع إلى الموسيقى أو يشاهد عرضًا فنيًا حيًا. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للفكرة؛ تقريب الفن من الناس دون حواجز.

الفن ليس رفاهية كما يعتقد البعض، بل ضرورة إنسانية وثقافية. المجتمعات التي تمنح مساحة للفنون تصبح أكثر قدرة على الحوار والتسامح والتذوق، بينما يؤدي غياب الجمال تدريجيًا إلى القسوة والتشوه البصري والوجداني.

ومن هنا يبرز الدور المهم الذي تقوم به أكاديمية الفنون. فالأكاديمية ليست مجرد مؤسسة تعليمية تمنح شهادات متخصصة، بل واحدة من أهم المؤسسات التي ساهمت لعقود طويلة في تشكيل الوعي الفني المصري والعربي. وقدمت أجيالًا من المبدعين في المسرح والسينما والموسيقى والباليه والفنون الشعبية.

ومن أجل ذلك فإن خروج الأكاديمية إلى الشارع يحمل دلالة مهمة، لأنه يؤكد أن دور المؤسسة الثقافية لا يجب أن يبقى حبيس الجدران، بل ينبغي أن يمتد إلى المجتمع مباشرة. فالفن الحقيقي لا يعيش في العزلة، وإنما في الاحتكاك بالناس والتفاعل مع الحياة.

كما أن “شارع الفن” يعيد الاعتبار لفكرة المجال العام. المدن الحديثة لا تُبنى فقط بالكباري والطرق والمشروعات العمرانية، بل تحتاج أيضًا إلى مساحات إنسانية وثقافية تمنح الناس شعورًا بالانتماء للمكان.

حين يجتمع المواطنون حول عرض موسيقي أو فقرة فنية أو إلقاء شعري في شارع تاريخي، فهم لا يشاهدون عرضًا فقط، بل يعيشون تجربة جماعية تعيد إليهم الإحساس بالمشاركة والحياة. وهذه التفاصيل البسيطة أصبحت شديدة الأهمية في وقت تسيطر فيه العزلة والعالم الافتراضي على العلاقات الإنسانية.

ومن الجوانب المهمة أيضًا أن المبادرة تمنح الفرصة للشباب والمواهب الجديدة للاحتكاك المباشر بالجمهور. فالكثير من الموهوبين يفتقدون المساحة التي تسمح لهم بالظهور الحقيقي، بينما يوفر الشارع جمهورًا مباشرًا وتفاعلًا حيًا لا يمكن تعويضه.

إن هذه المبادرات تمثل جزءًا مهمًا من القوة الناعمة المصرية. فمصر لم يكن تأثيرها التاريخي قائمًا على السياسة وحدها، بل على الفن والثقافة والدراما والموسيقى. والحفاظ على هذا الدور يحتاج إلى حراك ثقافي مستمر قادر على الوصول إلى الناس بلغة بسيطة وقريبة.

كما يقدم “شارع الفن” صورة حضارية عن مصر أمام زوارها، لأن السائح لا يبحث فقط عن الآثار، بل يبحث أيضًا عن روح المدينة وحياتها الثقافية المعاصرة. وحين يرى شارعًا حيًا بالموسيقى والفنون، يكتشف وجهًا أكثر عمقًا وإنسانية للقاهرة.

وفي تقديري، فإن أهم ما تحتاجه هذه المبادرات هو الاستمرارية. فالمشكلة ليست في إطلاق الفعاليات، بل في قدرتها على التحول إلى مشروع ثقافي دائم يصنع حالة تراكم حقيقية مع الوقت.

كما أن الإعلام مطالب بدور أكبر في دعم هذه الفكرة، ليس فقط عبر نقل الأخبار، وإنما عبر تقديم خطاب ثقافي يشرح أهمية الفن في تشكيل الوعي وبناء الإنسان.

الاستثمار في الثقافة ليس أمرا ثانويًا، بل استثمار طويل المدى في الإنسان نفسه. فالمجتمعات القوية ليست فقط التي تمتلك اقتصادًا متماسكًا، بل التي تمتلك أيضًا إنسانًا قادرًا على التفكير والتذوق والإبداع.

وأؤكد أن “شارع الفن” لا يمكن اعتباره مجرد فعالية فنية عابرة، بل رسالة ثقافية تؤكد أن الفن يجب أن يعود إلى الشارع، وأن الجمال جزء أساسي من الحياة، وأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحجر.

وربما تكون القيمة الأهم لهذه المبادرة التي انبثقت من مبادرة (دولة الفنون والثقافة)التي دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي، أنها تعيد التذكير بحقيقة بسيطة وعميقة؛ أن المدن التي تمنح مساحة للفن تظل أكثر قدرة على الحياة، وأن الإنسان حين يقترب من الجمال يصبح أكثر قدرة على مقاومة القسوة والصخب الحياتي.

وهنا يتجلى الدور الحقيقي لأكاديمية الفنون برئاسة الفنانة القديرة أ.د نبيلة حسن؛ ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كمشروع ثقافي وطني يعيد وصل الفن بالمجتمع، والوعي بالحياة، والإنسان بقدرته الدائمة على الحلم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق