خالد دومة يكتب: ليكن الحب في الأرض

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وقال الرب: ليكن الحب في الأرض... لكنه لم يكن

أصبح الحب ملكًا لمن يملكون الثمن..   (أمل دنقل)

أن تشتري الحب بالمال، أو برصيدك من المتاع والجمال والنفوذ، فذلك ليس حبًا، بل صفقة. تعطي من فيض ما تملك، فإذا نضب ما في يدك انفضّ من حولك الناس، ولم يبق لك من الحب شيء. إنها معادلة قاسية؛ فالمال صانع هذا النوع من الحب وهادمه في آن واحد، يخلقه في القلوب ما دام حاضرًا، ويمحوه منها إذا غاب.

كانت امرأة في الثامنة والخمسين من عمرها، لا يزال وجهها يحمل آثار جمال قديم. مغرورة بذلك الجمال، تعيش على ذكرياته، وتقتات من أمجاده الماضية. كان قلبها متعلقًا بفكرة الحب، لكن روحها لم تتعلق به يومًا.

بدا عليها من القسوة ما كانت تبرره دائمًا بعزة النفس. وكان جمالها هو سيد الموقف في حياتها، يحقق لها ما تريد، ويمنحها شعورًا بالتفوق على الآخرين. أنانيتها مفرطة، وأنوثتها التي كانت تتغنى بها لم تكن نابعة من الداخل، بل كانت أشبه بلوحة آسرة تخفي خلفها قبحًا لا تراه العين من النظرة الأولى.

شغلتها أنوثتها عن الحب، فلم يبق في قلبها إلا الغيرة القاتلة. لم تكن تريد لامرأة أن تقف إلى جوارها، ولا أن تنافسها في شيء. كرهت النساء، ولم يحبها من الرجال إلا أولئك الذين لا يعرفون من الحب إلا الشهوة. كانوا يرون فيها جسدًا للمتعة لا أكثر، لا فرق عندهم بينها وبين غيرها إلا بمقدار ما تمنحه من لذة عابرة.

وفي يوم بدت على غير عادتها مضطربة النفس والفؤاد. نادرًا ما رآها أحد على هذه الحال. كانت ترى الآن بوضوح ما حاولت الهروب منه طويلًا. فمنذ أن بدأ جمالها يخفت، أخذت هموم الحياة تتكشف أمامها تباعًا.

لم تكن تريد أن تواجه نفسها بالحقيقة؛ حقيقة الأخطاء التي ارتكبتها حين جعلت من جمالها محور وجودها كله. ظنت يومًا أن الحياة تنقاد إليها، وأن الناس يخضعون لسحرها، وأن ذلك هو الانتصار الحقيقي. لكنها اكتشفت متأخرة أن ما كانت تعيشه لم يكن إلا وهمًا كبيرًا.

وحين نظرت إلى ما حصدته في نهاية الطريق، لم تجد إلا الوحدة. أما ما حسبته حبًا في عيون الناس فلم يكن سوى خوف أو طمع أو رغبة عابرة.
إنه شعور قاتل أن يكتشف الإنسان أنه كان قبيحًا من الداخل، وأن جمال الظاهر لم يكن قادرًا على ستر ذلك القبح إلى الأبد.

فالحب الحقيقي لا يولد من مصلحة، ولا من خوف، ولا من طمع. إنه ينبع من قلب لا يسأل عن السبب، ولا ينتظر مقابلًا، ولا يفرض شروطًا على عطائه. والجمال يذبل مع الأيام، أما الحب الصادق فيبقى رغم تغير الزمن وتقلب الأحوال.

والآن كانت تقترب من الحقيقة التي هربت منها عمرًا كاملًا. كانت تتردد قبل النظر إلى مرآة نفسها، تلك المرآة المشروخة التي أهملتها طويلًا حتى تراكم عليها صدأ السنين وغبار الأوهام، فأعماها عن رؤية حقيقتها.

وبعد أن أوشكت على بلوغ الستين قالت لنفسها.

لقد أدركت أخيرًا أن ما كنت أعيشه كان وهمًا. خدعت نفسي، وخدعتني جوارحي. كانت عيناي تتغاضيان عن كل قبيح كي توهماني أنني على حق دائمًا. وكانت المرآة التي صاحبتني سنوات عمري كلها تكذب عليّ في كل صباح.

حتى الزهور التي ظننتها متفتحة كانت ذابلة. وحتى العطر الذي حسبت أنه يملأ المكان عند حضوري لم يكن إلا خيالًا صنعته غروري.
من يعيد إليّ عمري الضائع؟

لا أحد.

لقد انكشفت لي الحياة بوجهها الحقيقي الآن. ليتني لم أرَ. ليتني بقيت في ذلك العمى الذي صنعته لنفسي، وظننت أنه نور. كنت أتوهم أن الشمس تميل لي طربًا كلما أشرقت، وأن العالم خُلق ليصفق لجمالي.

لم يرشدني أحد، ولم أستمع إلى صوت العقل حين كان يحذرني. كنت أهرول خلف صورتي، أعشق انعكاسي في المرايا، وأظنه حقيقة..
أريد أن أبكي....

لكن كبريائي ما زال يمنعني من الاعتراف، ويمنع صوتي من أن يعلو بالبكاء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق