اليمن: لماذا اتسعت خريطة القتال في تعز مع عدم وجود حسم في الأفق؟

منذ 43 دقيقة

أحمد الأغبري

تصاعدت حدة المعارك واتسعت خريطتها في جبهات الريف الغربي والجنوب الغربي؛ وتسابق قوات جماعة «أنصار الله» الزمن للسيطرة على مرتفعاتها وتأمين ممراتها، بما يؤمن تموضعها في الساحل الغربي وباب المندب.

صنعاء ـ «القدس العربي»:  تمدد التصعيد العسكري في محافظة تعز ليشمل، منذ ليل الأربعاء/الخميس، رقعة جغرافية هي الأوسع منذ سنوات، متجاوزًا القصف التقليدي المتقطع إلى الاشتباك الواسع بهجمات مكثفة غطت أكثر من عشر جبهات في آن واحد؛ وفي الوقت نفسه لا يوجد حسم في الأفق.

ضمت خريطة المعارك الجبهتين الشمالية والشرقية في محيط المدينة، ومما تشمله شارع الستين وجولة القصر وكلابة وغيرها، وتوسعت دائرة القصف المدفعي لتشمل أحياء سكنية.
وبموازاة ذلك، تصاعدت حدة المعارك واتسعت خريطتها في جبهات الريف الغربي والجنوب الغربي؛ وهي الجبهات التي تسابق فيها قوات جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) الزمن للسيطرة على مرتفعاتها وتأمين ممراتها، وبما يؤمن مواقع تقدمها وتموضعها في الساحل الغربي وباب المندب.
ومن أبرز المناطق المشتعلة هناك: الكدحة، والتي تمثل بوابة المحور الغربي الرئيسة للاتصال بالساحل، تليها جبهة حِمير في مديرية مقبنة، التي تشهد معارك مستمرة للسيطرة على التباب والمرتفعات التي تُشرف على منافذ المديرية الداخلية. ومنها تمتد المعارك إلى مديرية جبل حبشي، ومن أهم مناطق الاشتباكات هناك منطقة العنين، كما تشهد مديرية الوازعية مواجهات عنيفة في السلسلة الجبلية الممتدة نحو الساحل وباب المندب.
وتشهد، أيضا، مديرية موزع مواجهات انطلاقًا من كونها مفتاح السيطرة والاستقرار العسكري للساحل الغربي وجبهات غرب تعز، ومن أبرز مناطق الاشتباكات هناك محور الصرارة ووادي المقصب، وتشهد محاولات تسلل مستمرة لتأمين طريق (المخا – الكدحة)، أما منطقتا راسن والعلقمة (جبل نُعمان وجرداد) في مديرية الشمايتين فهي سلسلة جبلية إستراتيجية تشهد كرًا وفرًا ومعارك شديدة؛ نظرًا لإشرافها المباشر على خط الإمداد الرئيس (التربة ـ طور الباحة)، الذي يربط تعز بمحافظة لحج وجنوب البلاد.
ومن حدود مديرية الشمايتين تمتد المعارك إلى عقبة المنصورة وحيد أمقارة والمشبك في مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، حيث تشتعل جبهات الأغبّرة وكهبوب بين قوات «أنصار الله» وقوات الحكومة المعترف بها دوليًا، ممثلة في ألوية العمالقة ودرع الوطن.
كما شملت رقعة التصعيد جبهات الجنوب والجنوب الشرقي، ومنها جبهات الأحكوم في مديرية حيفان، والأقروض في مديرية المسراخ، وضمن رقعة مواجهات هذا المحور تقع مديرية سامع وجبهة الشقب في مديرية صبر الموادم. وهي مناطق تشهد قصفًا متبادلًا ومحاولات اختراق لمنع تأمين خطوط الدفاع للطرف الآخر.
تصاعدت واتسعت خريطة المواجهات في تعز في الوقت الذي انحسرت وتراجعت العمليات في محافظات البيضاء ومأرب والجوف والضالع، ويقف وراء ذلك أسباب عديدة، ولكل طرف ما يطرحه ردًا عن هذا، لكن ما يمكن قوله إن التقدم الذي أحرزه الحوثيون في الساحل الغربي عزز من حالة الاستنفار والجاهزية لدى الطرفين، مع حرص كل منهما على تحقيق اختراق؛ فالحوثيون يريدون تأمين مناطق سيطرتهم في الساحل، وقوات الحكومة المعترف بها تريد استعادة زمام المبادرة واستعادة ما يمكن استعادته من الساحل أو ما يُمثل هيمنة عليه.
حالة الاشتباك المحدود بالتوازي مع الاستمرار في رفع حالة الجاهزية جعل الطرفين في حالة تأهب للانقضاض؛ ولا تتوقف الأسباب عند هذه النقطة، إذ لا يمكن قراءة أي جزئية في المشهد اليمني بعيدًا عمَن يقفون وراء مخطط الحرب في اليمن من الخارج، والذين يحرصون، من خلال إبقاء هذه النار مشتعلة، على تقسيم البلاد بعد إفراغ كافة مقومات قوتها؛ وهو ما لا يمكن فهمه بعيدًا عن مشروع الشرق الأوسط الكبير والصراع في المنطقة.

بوابة البحر الأحمر

في قراءته للأسباب وراء هذا التصعيد، يقول نقيب الصحافيين اليمنيين، المفكر عبدالباري طاهر، إن المعركة الأهم من بين المعارك المشتعلة في اليمن، تبرز الحرب في تعز، باعتبارها «المعركة الأساس»، على حد تعبيره. وعزا ذلك إلى أن «تعز بوابة المخا، وباب المندب، والبحر الأحمر».
وأشار في حديثه لـ «القدس العربي» إلى أن «معركة تعز المتسعة والمتطاولة ليست بمعزل عن مضيق هرمز». وزاد معتبرًا «تعز خَطّ الدِّفَاع الأول عن عدن، ولحج».
واستطرد موضحًا أن «المعركة في تعز تتجاوز دلالتها وأبعادها البعد الوطني؛ لأنها الطريق إلى باب المندب. وجبالها الغربية في المناطق المختلفة مَنْ يسيطر عليها يسيطر على باب المندب، وجزر زُقَرْ، ومَيُّون أو بريم، وحنيش. وهي الجزر التي يسيطر عليها حَاليًّا أنصار الله (الحوثيون)، ولكن تأمين هذا الوجود لا يتم إلا بالسيطرة على الجبال في الوازعية، والكدحة، ومقبنة، وبني عمر، وريف تعز الغربي».
وأردف أن «الشرعية، والعربية السعودية وحلفاؤها، يدركون أنَّ المعركة الحقيقية في باب المندب؛ فهي الأكثر أهمية من مضيق هرمز للتجارة الدولية؛ لأنها مركز الوصل بين الشرق والغرب».
وفيما يتعلق بعدم وجود حسم في الأفق، قال عبدالباري طاهر: «معروف أنَّ الحرب في اليمن وعليها، ومنذ العام 2015، ودخول التحالف العربي الذي قادته السعودية والإمارات لم يكن أهليًّا خَالصًا، ولا إقليميًّا فقط؛ وإنَّمَا هو مُعقَّد ومركب يتشابك فيه الأهلي بالإقليمي بالدولي، كما أنَّ الأهلي عدة أطراف، وكذلك الإقليمي، والدولي؛ ولكُلٍّ أدواته، وتكتيكاته المختلفة».
ويُرجع عدم وجود حسم في الأفق إلى تحول الحرب إلى تجارة وارتباطها بمشروع إعادة صياغة المنطقة، قائلًا «إن فرض حصار شامل داخلي وخارجي على اليمن هَرَّب رأس المال، وتعطلت المؤسسات، وقطعت الرواتب، وتعطلت كل الأعمال، ولم يبق إلا سبيل واحد للعمل هو الحرب؛ فالتحق المزارعون، والمدكّنون، والطلاب، وأهل الحرف بالحرب؛ بل أجبروا عليها؛ فهي الطريق الوحيد للحصول على لقمة الخبز، وهي في الوقت نفسه طريق التشرد والموت».
وخلص إلى أن «اليمن كله ميدان حرب، وجبهات قتال. فالنافذون والكبار هنا وهناك تجار حروب، ولا يريدون نهاية للحرب. والمياومون لا يريدون نهايتها؛ لأنها تعني قطع أرزاقهم».
ويعتقد نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، أن «الصراع في اليمن مرتبط بالصراع الإيراني- الأمريكي الإسرائيلي، ولإطالة الحرب علاقة بإعادة صياغة المنطقة كلها، ولها صلة أيضا بالانتخابات في أمريكا، وتل أبيب؛ ولا أفق للحَلِّ في الرَّاهن».

تشتيت الجهود

فيما يرى الكاتب أحمد الزبيري، وهو صحافي في صحيفة « 26سبتمبر» التابعة لوزارة الدفاع في حكومة جماعة «أنصار الله»، أن الطرف الآخر لم يتقبل ما حققته قوات «أنصار الله» من تقدم في الساحل الغربي، فعمل على توسيع وتصعيد المواجهات من خلال فتح جبهات عديدة في تعز، والهدف – كما يقول – هو تشتيت جهود قوات حكومة صنعاء.
وبينما أتهم الزبيري الطرف الآخر بأنه مَن أشعل التصعيد الأخير في تعز بدفع من الرياض، أوضح أن هدفه من تشتيت جهود قوات «أنصار الله» هو تمكينه من التحشيد، وبما يمكنه من استعادة المواقع الاستراتيجية التي خسرها في الساحل الغربي وباب المندب، لكنهم ـ كما يقول- «يُهزمون؛ فأبناء تعز صاروا على وعي ودراية بالمخطط الذي يستهدف اليمن».
وأضاف متحدثًا إلى «القدس العربي» إن قوات «أنصار الله» عندما تصل إلى مكان تتمركز فيه، وفي المقابل تستهدف أي تحشيدات للطرف الآخر، معتبرًا أن ما أسماها «الاجتماعات السرية التي شهدتها المنطقة مؤخرًا» كانت تهدف لبحث كيفية استعادة المواقع التي تقدمت إليها قوات صنعاء في الساحل. وقال «نريد أن نحرر أرضنا ونستعيد سيادتنا» على حد تعبيره.
وفيما يتعلق بأسباب عدم وجود حسم في الأفق، قال «إن قوات أنصار الله تحقق انتصارات، لكن المواجهة ما زالت قائمة والتحشيدات من الطرف الآخر ما زالت مستمرة».
مما سبق؛ فطريق اليمن إلى السلام ما زال طويلًا؛ لأن الحرب ما زال لها سماء تُمطر وأرض تُنبت.
ويعاني البلد منذ 11 عامًا صراعًا مستمرًا على السلطة بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة «أنصار الله»، وتسبب في أزمة إنسانية تصفها الأمم المتحدة بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
وعكست تقارير أممية تفاقمًا تصاعديًا في أعداد الضحايا وتداعيات المعارك، إذ سقط جراء المعارك أكثر من ثلاثمئة ألف شخص، في حين بات 80 في المئة من السكان، البالغ عددهم نحو 35 مليون نسمة، بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
وتسيطر جماعة «أنصار الله» منذ أيلول/سبتمبر 2014 على غالبية محافظات وسط وشمال اليمن، بينها العاصمة صنعاء، فيما أطلق تحالف عربي بقيادة السعودية، في 26 آذار/مارس 2015، عمليات عسكرية دعمًا للحكومة المعترف بها دوليًا لاستعادة تلك المناطق من قبضة الجماعة.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق