اليمن – «القدس العربي»: أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، رشاد العليمي، انطلاق عملية عسكرية شاملة ضد قوات جماعة أنصار الله (الحوثيون)، وذلك لاستعادة الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم.
وقال، في خطاب متلفز نشرت نصه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للحكومة، إن ذلك جاء بعد استنفاد كل فرص التهدئة. وأضاف العليمي: «نضمن العودة الآمنة والعفو لكل من يلقي السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الحوثيين، ويعود إلى أهله ووطنه، وفق الإجراءات المعلنة». ودعا العليمي حلفاء الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمجتمع الدولي إلى مساندة الحكومة، كما دعا سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التعاون مع القوات الحكومية».
وأكد العليمي أن مؤسسات الدولة ستكون في حالة استنفار كامل لدعم العمليات وتحقيق أهدافها، متعهدًا بأن تدخل المدن التي تستعيدها الحكومة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب حماية الممرات المائية.
كما أعلن الناطق العسكري باسم القوات الحكومية، العقيد ماجد النزيلي، بدء تنفيذ ما أسماها «معركة التحرير واستكمال استعادة مؤسسات الدولة».
ونقلت رويترز، الجمعة الماضية، عن مسؤولين إقليميين وغربيين، أن الرياض تخطط لعملية تهدف إلى استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية، بينها أجزاء من الساحل المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، على أن تتولى القوات اليمنية العمليات البرية، بينما تقود السعودية العمليات الجوية وتوفر الدعم الاستخباراتي.
وتزامن إعلان العليمي مع تصعيد ميداني في ريفي تعز الغربي والجنوبي، وسط تقدم لقوات الحوثيين، التي سيطرت على عدد من المناطق والقرى والجبال وانتشرت قواتها في مديريتي الشمايتين وسامع، بما فيها مدينة التربة الهامة، وذلك بعد معارك وصفت بـ»الملتهبة» مع قوات الحكومة المعترف بها.
وقال عضو المكتب السياسي للجماعة، حزام الأسد، إنه تم السيطرة على التربة ومناطق الحجرية، وفق تدوينة على منصة «إكس». ونشر الأسد مشهدًا مصورًا ضمن تدوينة أخرى لقواتهم في مدينة التربة.
وحسب مصادر، فقد سيطرت قوات الجماعة على الخط الرئيس بين مدينتي التربة وتعز، وهو الشريان الرابط بين تعز وعدن، كما سيطرت على منزل رئيس مجلس النواب الموالي للحكومة سلطان البركاني، القريب من منطقة الصافية، التي سبق وسيطروا عليها أيضًا، وسط تقارير إعلامية محلية عن اقتراب قوات الجماعة من منزل رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي.
جاء هذا التقدم عقب ما وصفه مراقبون بانهيار قوات الحكومة في جبلي راسن وجرداد، وبالتالي تقدم الحوثيين السريع وسيطرتهم على مناطق المساحيل والمركز والزكيرة وبني محمد وبني شيبة والمقارمة وغيرها في مديرية الشمايتين، وذلك عقب سقوط الحزام الجبلي الجنوبي الغربي للحجرية. كما أفادت مصادر بتمكن قوات الجماعة من الاستحواذ على مواقع هامة في مديرية سامع في الريف الجنوبي.
وفي تعليق للجماعة، نقلت قناة «المسيرة» الفضائية، عن مصدر عسكري قوله برصد انسحاب أكثر من 20 طقماً عسكرياً و5 عربات محملة بالأسلحة والذخائر التابعة لما سماها «التحشيدات السعودية» من التربة باتجاه خط شرجب وطور الباحة، مشيرًا إلى هروب أطقم تابعة لقوات الحكومة المعترف بها من التربة نحو طريق الصحى وحزاز وزريقة اليمن، وسط ما وصفته القناة بـ»حالة انهيار غير مسبوقة» في صفوفهم.
وفي أعقاب هذا التقدم الميداني المفاجئ وسقوط الحزام الجبلي، بدأت ملامح ردود الفعل تتكشف ميدانيًا، حيث رصدت مصادر عسكرية إعداد القوات الحكومية لعملية مضادة في محاولة لاستعادة المناطق التي خسرتها هناك.
جبهات النار
ولا تقتصر رقعة المواجهات على ذلك الريف فحسب، بل تمتد على صعيد جميع الجبهات في الريفين الغربي والجنوبي لتعز، إذ تستعر المعارك في منطقة الكدحة وعلى امتداد جبهات الوازعية وغيرها، كما احتدمت الاشتباكات في الجنوب والجنوب الشرقي، وبخاصة في جبهات الأقروض والأحكوم والاكبوش وغيرها وصولًا إلى جبهات مديرية سامع التي أعلن الحوثيون لاحقًا السيطرة عليها.
وفي محيط مدينة تعز، تتواصل الاشتباكات؛ ففي الجبهة الشرقية وتحديدًا منطقة جولة القصر، ما تزال تشهد مواجهات عنيفة، وسط حديث الطرفين عن استهدافات لآليات وتجمعات للطرف الآخر. وفي الجبهة الغربية لم تتوقف المعارك على جبل هان الاستراتيجي ومحور الضباب وشارع الستين.
وبالتوازي مع هذه الاشتباكات المستمرة في محيط مدينة تعز، تتواصل المعارك في مديرية المضاربة ورأس العارة الواقعة في حدود محافظة لحج مع محافظة تعز، فالجبهات هناك تشهد مواجهات وصفت بـ»الطاحنة»، كما شهدت فتح جبهتين في منطقتي الأكاحيل ودوباس.
وإذا كانت جبهات تعز ولحج تشهد هذه السخونة الميدانية، فإن المشهد لم يكن بمعزل عن بقية المحاور، ففي الجبهات التي تراجعت فيها وتيرة العمليات نسبيًا، وبخاصة في محافظة الجوف، أفاد المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، بصد هجمات وتقدم لقواتهم وإلحاق خسائر فادحة بقوات الطرف الآخر.
وأعلن عما اعتبره تمكن قواتهم من طرد واستهداف تحشيدات للطرف الآخر من شرقي الجوف، إثر ما أسماها «محاولات فاشلة للتقدم باتجاه مواقع قواتنا المسلحة»، موضحًا أنه نتج عن عملية الاستهداف والطرد إحراق عدد كبير من الآليات ومصرع وإصابة العشرات من تلك التحشيدات، وملاحقة مَن تبقى منهم في صحراء الجوف، واستهداف تجمعات تلك التحشيدات بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وكان المتحدث العسكري باسم الحكومة المعترف بها، العقيد ماجد النزيلي، قد أعلن عن تنفيذ 97 عملية استهداف دقيقة ضد تعزيزات عسكرية للحوثيين في جبهة طور الباحة ومحور تعز، مشيرًا إلى أن العمليات تنوعت بين استخدام الطيران الحربي والطيران المسيّر والمدفعية والصواريخ والقناصة، وأسفرت عن تحييد 260 من عناصر الحوثيين، وتدمير وإعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية. وهو ما لم يصدر بشأنه تعليق فوري من الجماعة حتى كتابة هذا التقرير.
وسبق أن أعلن النزيلي عن توجيه ضربات ضد أهداف في صنعاء وصعدة.
وكانت سلطات مدينة تعز، في شقها التابع للحكومة، قد أعلنت إغلاق المنفذ الشرقي للمدينة، والذي يربطها بمنطقة الحوبات الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وفي هذا السياق، قالت وزارة الصحة في حكومة الجماعة إن إغلاق الطرف الأخر «للطرق الحيوية والرئيسية في محافظة تعز خاصة طريق الحوبان ينذر بكارثة صحية بحق المئات من مرضى الفشل الكلوي والأورام ومنعهم من الوصول للمستشفيات لتلقي العلاج».
وذكر البيان أن لجوء الطرف الآخر «لمحاصرة تعز عند ضيق خياراتهم السياسية والعسكرية يكشف زيف ادعاءاتهم وتباكيهم على الوضع الإنساني»، على حد تعبيره.
سماء التصعيد
هذه السخونة العسكرية المتبادلة على الأرض يوازيها تمدد في خريطة الغارات الجوية لتأخذ طابعًا أوسع، إذ تستمر الغارات الجوية للطيران الحربي والمسيّر في التصاعد والتمدد في خريطتها، حيث أعلنت وسائل إعلام الجماعة عن استهداف الطيران الحربي السعودي مصنع إسفنج في حي شملان بالعاصمة صنعاء، ما تسبب في إصابة ثلاثة مواطنين.
فيما ذكرت قناة «الجمهورية» التابعة لـ»قوات المقاومة الوطنية» أن الطيران الحربي استهدف تمركزاً للحوثيين في منطقة الشراجة جبل حبشي غربي تعز.
بينما نقلت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للجماعة، عن وزارة الصحة في صنعاء، مقتل مواطنين اثنين وإصابة اثنين آخرين جراء غارة للطيران السعودي المسيّر على مفرق الأحيوق في مديرية الوازعية بمحافظة تعز.
كما أعلنت وسائل إعلام الجماعة عن غارتين استهدفتا مديرية عبس بمحافظة حجة الواقعة شمالًا، وغارات استهدفت مناطق في مديرية الحزم بمحافظة الجوف شمال شرقي البلاد.
وفي محافظة صعدة الشمالية الحدودية، أعلنت قناة «المسيرة» عن قصف صاروخي سعودي على المناطق الحدودية بمديرية حيدان، وقصف مماثل استهدف مديرية سحار. كما أعلنت عن قصف سعودي مدفعي استهدف مديريتي باقم ورازح، بالإضافة إلى ثلاث غارات بالطيران الحربي استهدفت مديرية كتاف والبقع.
صواريخ عابرة
ولم تقتصر ارتدادات هذا التصعيد الجوي عند حدود الداخل اليمنيّ، بل امتدت لتأخذ طابعًا إقليميًا عابرًا للحدود. وعلى هذا الصعيد، أعلن المتحدث العسكري لقوات الجماعة، العميد يحيى سريع، استهداف شركة «أرامكو» في الرياض وفي منطقة خريص بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكدًا أن الإصابة كانت دقيقة «وتسببت العمليتان بنشوب حرائق كبيرة في المواقع المستهدفة».
وأوضح أن هاتين العمليتين تأتيان في سياق الرد على الغارات السعودية على اليمن، والتي بلغت خلال 12 ساعة 50 غارة جوية وصاروخًا استهدف بها العاصمة صنعاء ومحافظات الجوف وتعز وعمران وحجة وصعدة، مشيرًا إلى أن إجمالي الغارات منذ بدء التصعيد وصل إلى ألف و460 غارة وصاورخًا، مؤكدًا استمرار عملياتهم ضد السعودية وما أسماها تحشيداتها، وتثبيت معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد».
يأتي هذا غداة إعلان سريع عن عملية مماثلة استهدفت شركة «أرامكو» في الرياض، وهو ما نفاه المتحدث العسكري باسم التحالف اللواء تركي المالكي.
معركة التصريحات
وعلى وقع هذا التصعيد الميداني والجوي الساخن، انعكست التطورات على التصعيد السياسي بدفع الأطراف المختلفة لتبادل المواقف والتصريحات، حيث أدانت اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى التابعة للجماعة، ما اعتبرته إقدام قوات الطرف الآخر في تعز «على ارتكاب جريمة شنيعة بحق جثمان أحد شهداء القوات المسلحة».
وأوضحت، في بيان، أنه تم تجريد أحد جثامين القتلى من ملابسه وتصوير العملية ونشرها متفاخرين، على حد تعبيره. ولم يصدر تعليق فوري من جانب الحكومة إزاء ذلك حتى كتابة هذا التقرير.
وفي أول تعليق من الجماعة على خطاب العليمي، طالب عضو مكتبها السياسي، حزام الأسد، رشاد العليمي ومن معه من المقيمين في الرياض، «والمشمولين بالأحكام القضائية الصادرة بحقهم عن المحكمة الجزائية المتخصصة بأمانة العاصمة في قضايا الخيانة العظمى، سرعة تسليم أنفسهم للقضاء اليمني»، محملًا الرياض «مسؤولية التستر عليهم وإيوائهم».
فيما اعتبر وكيل وزارة العدل في الحكومة المعترف بها دوليًا، فيصل المجيدي، في تدوينة على منصة «إكس»، أن «إعلان انطلاق العملية العسكرية فيه دفن لكل ما تسمى مبادرات السلام».
تعبئة الجنوب
وفي مسار موازٍ تتشابك فيه التطورات العسكرية بالخرائط السياسية وتوازنات النفوذ في المحافظات الجنوبية، حيث أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، الاستعداد للتعبئة الشعبية العامة دفاعًا عما أسماه «الجنوب ومشروعه الوطني»، من خلال إقامة مليونية في عدن وفي عموم محافظات الجنوب يوم 14 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، الذي يصادف ذكرى اندلاع الثورة ضد المحتل البريطاني لجنوب البلاد عام 1963.
وفي بيان، أكّدت قيادة المجلس أن قرار التعبئة العامة يأتي تنفيذًا لتوجيهات رئيس المجلس، وصون مكتسبات الجنوب وفي مواجهة مختلف التهديدات والمخاطر وقوى الإرهاب بجميع فصائلها، والتصدي لمختلف أشكال الوصاية والاحتلال، على حد تعبير البيان.
وجدد اجتماع لقيادات المجلس، التمسك بالانفصال. وقال أمين عام المجلس، وضاح الحالمي، أن المجلس الانتقالي «سيتمسك بقضيته ومشروعه السياسي، وبالبيان السياسي والإعلان الدستوري».
وقال إن الجنوب «ليس هامشًا في معادلة المنطقة»، لافتًا إلى أن باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر تمثل جزءًا من جغرافية الجنوب ومحيطه الأمني.
جراح النزوح
وعلى ضوء هذه التداعيات الميدانية القاسية وحركة النزوح الواسعة الناتجة عن التصعيد الأخير، حضرت الأزمة الإنسانية والصحية في صدارة الاهتمامات، حيث أوضح وكيل وزارة الصحة في الحكومة المعترف بها دوليًا، الدكتور علي الوليدي، خلال اجتماع بعدن مع شركاء القطاع الصحي، أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة على تقييم أوضاع النازحين وتحديد أماكن وجودهم واحتياجاتهم الصحية، بما يساعد على توجيه التدخلات والخدمات وفقاً للأولويات الفعلية، لافتاً إلى اعتزام الوزارة تأسيس وحدة خاصة بالنازحين ضمن هيكلها التنظيمي، تُعنى بمتابعة أوضاعهم الصحية وتنسيق الاستجابة الموجهة إليهم.
وشدد الوليدي، وفق وكالة «سبأ» الحكومية، على أهمية تعزيز التنسيق بين الوزارة والسلطات المحلية وشركاء القطاع الصحي، لضمان تكامل التدخلات وعدم ازدواجيتها، وتوجيه الموارد والإمكانات نحو المناطق والفئات الأكثر احتياجاً.
وكانت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين (حكومية) قد أعلنت، مساء السبت، عن التصاعد المتسارع لموجات النزوح، حيث تشير بيانات الرصد والتسجيل الميداني حتى تاريخ 30 سبتمبر 2026 إلى نزوح 29506 أسر تضم 197945 نازحاً في ظل اتساع نطاق الأعمال العدائية.
وشهدت عدة جبهات في اليمن منذ مطلع يوليو/ تموز، مواجهات متقطعة بين القوات الحكومية وجهات موالية لها من جهة، وجماعة الحوثي من جهة أخرى، وهي المواجهات التي تطورت إلى تصعيد شديد مع بداية سبتمبر/ أيلول الماضي.
- الهبوط التقني لطائرة الرئيس الإيراني بالجزائر.. رئيس الجمهورية يكشف
- الجزائر دولة تبحث عن الاستقرار والسلم.. وهذا ما جعل كثير من الدول العظمى تحترمنا
- مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء سيستفيد منه بالدرجة الأولى الإخوة في نيجيريا والنيجر
- رئيس الجمهورية.. “لا أحد بمقدوره محاسبتنا على اختيار شركائنا”
- الإمارات تهزم عمان وتتأهل لمواجهة السعودية في نهائي خليجي 27


















0 تعليق