"مفاوضات تامبا" قبل الانتخابات الإسرائيلية: هل تُرسم خريطة الجنوب قبل تبدّل المشهد؟

منذ ساعة
لا يبدو تحديد موعد جديد للمحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية في تامبا في ولاية فلوريدا الاميركية قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية، مجرد تفصيل من وحي الصدف في مسار تفاوضي مرّ خلال الأشهر الماضية بمراحل من التقدم والتعثر والتأجيل. فالموعد المرجح للجولة الجديدة هو 20 تشرين الأول، على أن تتركز المباحثات هذه المرة على المسار العسكري والترتيبات الأمنية والميدانية، فيما يبقى المسار السياسي منفصلاً عن هذه الجولة.


واللافت في توقيت الجولة أنها تأتي قبل الانتخابات الإسرائيلية، في مرحلة يُفترض فيها أن تكون قدرة الحكومة الإسرائيلية على تقديم تنازلات سياسية محدودة، فيما لا تزال ملفات أساسية عالقة، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي وآلية انتشار الجيش اللبناني والترتيبات التي يفترض أن تواكب أي انسحاب، إضافة إلى آلية التحقق من تنفيذ الالتزامات الواردة في "اتفاق الإطار". وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي يشكل أحد العوامل التي تدفع نحو ترحيل الحسم السياسي إلى ما بعد الانتخابات.

لكن اختيار تامبا بدلاً من روما لهذه الجولة يحمل بحد ذاته دلالة على طبيعة المرحلة الجديدة. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن البحث سيكون عسكرياً وأمنياً وميدانياً، وليس مفاوضات سياسية شاملة، بما يعني أن التركيز سينتقل من المبادئ العامة إلى التفاصيل التي يمكن تنفيذها على الأرض. ومن بين الأفكار المطروحة البحث في خريطة تحدد، منطقة بعد أخرى، تسلسل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وآلية التحقق من حصر السلاح.

وهنا تكمن أهمية الجولة بالنسبة إلى لبنان. فإذا كان المسار السياسي مؤجلاً إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، فإن فصل المسار العسكري عنه يتيح، نظرياً، العمل على الملفات التي لا تحتاج بالضرورة إلى قرار سياسي نهائي كمثل أين ينسحب الجيش الإسرائيلي، وأين ينتشر الجيش اللبناني، وما هي المناطق التي يمكن أن تشكل مراحل أولى للتنفيذ، ومن هي الجهة التي تتولى التحقق من الالتزام؟

هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، لأنها ترتبط مباشرة بشكل المرحلة المقبلة في الجنوب. فكل انتقال من منطقة إلى أخرى يفترض ترتيبات أمنية وميدانية واضحة، كما يفترض قدرة الجيش اللبناني على الانتشار وممارسة دوره، بالتوازي مع آلية تحقق تحظى بقبول الأطراف المعنية.

وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة أمام محاولة لإبقاء "اتفاق الإطار" حياً، حتى لو تعذر تحقيق اختراق سياسي قبل الانتخابات الإسرائيلية. فالمفاوضات التي كانت مهددة بالبقاء في حالة جمود عادت إلى جدول الأعمال، لكن من بوابة عسكرية هذه المرة. وهذا يعني أن واشنطن قد تكون في صدد فصل ما يمكن إنجازه ميدانياً عن الملفات السياسية الأكثر حساسية، بدلاً من انتظار تسوية شاملة تسمح بالبدء بالتنفيذ. وهذا الاستنتاج يبقى قراءة في طبيعة المسار، وليس إعلاناً عن اتفاق نهائي أو نتائج محسومة.

في المقابل، فإن لبنان يدخل هذه الجولة من موقع شديد الحساسية. فمن جهة، يريد تثبيت مبدأ الانسحاب الإسرائيلي واستعادة السيطرة على الأراضي اللبنانية، ومن جهة ثانية يواجه مطالب أميركية متكررة بأن يقترن انتشار الجيش في الجنوب بخطوات فعلية لحصر السلاح بيد الدولة. وقد أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وفق معطيات نقلتها وسائل إعلام لبنانية، أن انتشار الجيش في الجنوب، على أهميته، لا يكفي وحده من دون خطوات مرتبطة بحصر السلاح.

أما إسرائيل، فإن دخولها هذه الجولة قبل الانتخابات لا يعني بالضرورة استعدادها لحسم كل الملفات، لكنه يضعها أمام مسار تفاوضي يجري تحت ضغط الوقت والاستحقاق الداخلي. ولذلك قد تكون الأولوية في تامبا لما يمكن تثبيته عسكرياً وميدانياً، على أن تُترك القضايا الأكثر حساسية للمرحلة التي ستلي الانتخابات.

فإذا نجح الأميركيون واللبنانيون والإسرائيليون في الاتفاق على آلية عمل أو خريطة مراحل في تامبا، فقد يصبح في الإمكان الانتقال من "اتفاق الإطار" كصيغة تفاوضية إلى خطوات تنفيذية متدرجة، ولو بقيت التسوية السياسية النهائية مؤجلة. أما إذا بقيت الجولة عند حدود تبادل المواقف العسكرية، فقد لا يتجاوز الأمر محاولة جديدة لإدارة الهدوء الهش جنوباً في انتظار اتضاح المشهد السياسي الإسرائيلي.

في الحالتين، يبدو أن تامبا ليست جولة تفاوض عادية. فهي تأتي في لحظة تحاول فيها واشنطن إبقاء المسار مفتوحاً، فيما يدخل لبنان وإسرائيل مرحلة شديدة الحساسية، ويقترب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي. ولذلك فإن قيمة الاجتماع لن تقاس فقط بما سيقال حول طاولة المفاوضات، بل بما إذا كان سيتمكن المشاركون من رسم أول خريطة عملية لما بعد "اتفاق الإطار"؛ أي من ينسحب، ومن ينتشر، ومتى، وكيف يُتحقق من التنفيذ.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق