جامعة كيان بالقوات المسلحة.. مشروع جديد لبناء الإنسان المصرى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى أحد المشاهد اللافتة من فيلم «Hidden Figures» الذى استعاد جانبًا من سباق الولايات المتحدة الأمريكية نحو الفضاء، لم تكن الكاميرا تلاحق صاروخًا يشق السماء، أو رائد فضاء يستعد لرحلته، بقدر ما توقفت طويلًا أمام عقولٍ تجلس فى غرف هادئة، بين أوراق امتلأت بالأرقام ومعادلات لا تحتمل الخطأ، فقبل أن يتحول حلم الوصول إلى الفضاء إلى حقيقة كان هناك من يحسب المسار ويراجع الاحتمالات، ويختبر كل تفصيلة، لأن خطأ صغيرًا فى رقم واحد كان يمكن أن يغير مصير الرحلة كاملة.

ظل هذا المشهد دائمًا بالنسبة للكثيرين- وأنا منهم- واحدًا من أكثر المشاهد قدرة على اختصار معنى تقدم الدول، فالصاروخ الذى يراه الجميع لحظة انطلاقه ليس بداية القصة وإنما نهايتها، أما البداية الحقيقية فتحدث قبل ذلك بسنوات داخل جامعة ومعمل ومركز أبحاث، وبين أستاذ يؤمن بفكرة، وطالب يتعلم كيف يحول المعرفة إلى قدرة، وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا «من أين تبدأ قوة الدول؟ هل تبدأ من المصنع الذى ينتج؟ أم من المهندس الذى صممه؟ هل تبدأ من المستشفى الحديث؟ أم من الطبيب الذى يعرف كيف يستخدم ما بداخله؟ هل تبدأ من التكنولوجيا؟ أم من العقل القادر على ابتكارها؟»، ربما تكون الإجابة فى كل ذلك معًا، لكن المؤكد أن التعليم يظل نقطة البداية.

فالأمم لا تنهض بالحجر وحده، مهما ارتفعت مبانيها، ولا بالطرق وحدها مهما امتدت، ولا بالمصانع فقط مهما تضاعفت قدراتها، وإنما تنهض حين تمتلك الإنسان القادر على إدارة كل ذلك وتطويره وإضافة ما لم يكن موجودًا من قبل، ولذلك لم يعد التعليم فى العالم الحديث مجرد ملف اجتماعى يرتبط بالمدارس والجامعات، بل أصبح جزءًا أصيلًا من مفهوم القوة الشاملة للدولة، لأن من يملك المعرفة اليوم يملك جزءًا كبيرًا من مفاتيح المستقبل.

ولعل هذا ما يفسر ذلك الحضور المتزايد لقضية بناء الإنسان داخل مشروع الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، فبالتوازى مع بناء المدن وشبكات الطرق والمصانع والموانئ والمستشفيات، كان هناك سؤال آخر لا يقل أهمية، مَن سيقود كل هذه المنظومة بعد سنوات؟ مَن سيصمم الجيل القادم من المصانع؟ ومَن سيطور البرمجيات التى ستدير المدن؟ ومَن سيصنع الدواء؟ ومَن سيعمل داخل المستشفيات الحديثة؟ ومَن سيحول البحث العلمى إلى منتج يحمل اسم مصر وينافس فى الخارج؟

فى قلب هذا السؤال جاءت جامعة كيان بالقوات المسلحة، التى لم يكن إنشاؤها بالصفة المدنية مجرد إضافة اسم جديد إلى خريطة التعليم العالى فى مصر، وإنما جاء بناءً على توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، لخلق بيئة تعليمية قادرة على تحقيق الابتكار والإبداع فى مجالات الدراسة المختلفة، وإعداد كوادر من شباب مصر مؤهلة بأحدث ما وصل إليه العلم، تستطيع أن تكمل مسيرة بناء الوطن وتشارك فى رفعته وازدهاره.

وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم نقاط تجربة كيان، فالجامعة أشبه بمدينة تعليمية متكاملة وطلابها من الشباب والفتيات، وشهاداتها معتمدة من المجلس الأعلى للجامعات، والدراسة بها بنظام الساعات المعتمدة، وخريجها يتجه إلى سوق العمل بخبرة مثقلة نظريًا وعمليًا، لكن وراء هذه الصورة توجد خبرة مؤسسة عريقة عرفت عبر تاريخها معنى الانضباط والدقة والمتابعة والعمل الجماعى وتحمل المسئولية، وهى قيم تحاول القوات المسلحة أن تنقلها من عالمها المؤسسى إلى بيئة جامعية حديثة، ليس بهدف تحويل الطالب إلى عسكرى، وإنما لصناعة خريج يعرف قيمة الوقت، واحترام المسئولية، والعمل فى فريق، ويملك- فى الوقت نفسه- مساحة للتفكير والإبداع والبحث.

ولعل هذا الجمع بين الانضباط والابتكار أحد أكثر ما يميز الفكرة، فالبعض يظن أن الإبداع يحتاج إلى الفوضى، وأن الباحث لا يمكن أن يعيش داخل نظام صارم، لكن تاريخ العلم نفسه يقول العكس، فكل اكتشاف كبير ربما بدأ بلحظة خيال، لكنه لم يتحول إلى حقيقة إلا بعد آلاف الساعات من العمل المنظم، وكل دواء ناجح بدأ بفكرة، لكنه لم يصل إلى المريض قبل سلسلة طويلة من التجارب الدقيقة، وكل طائرة بدأت بخطوط على الورق قبل أن تتحول إلى آلة فى السماء، ولذلك لا يصبح الانضباط فى العملية التعليمية نقيضًا للإبداع، بل يمكن أن يكون الإطار الذى يحميه ويمنحه فرصة للنمو.

من هنا تبدو الإقامة والإعاشة المميزة للطلاب داخل الجامعة جزءًا من فلسفة متكاملة، وليست مجرد خدمة سكنية، فالطالب يعيش يومه داخل نظام واضح يبدأ من الاستيقاظ وينتقل إلى المحاضرات والتدريب والأنشطة الرياضية والوجبات والمذاكرة، وفى الوقت نفسه يصبح على اتصال دائم بزملاء من تخصصات مختلفة، وهى نقطة ربما تبدو بسيطة، لكنها فى الحقيقة شديدة الأهمية، لأن عالم اليوم لم يعد يقوم على عبقرية الفرد وحده، بل على قدرة مجموعة من التخصصات على العمل معًا.

لكن فكرة الجامعة لا تتوقف عند طريقة الحياة، بل تمتد إلى جوهر العملية التعليمية نفسها، حيث تعتمد الدراسة على مناهج حديثة ومعتمدة، وتدريب عملى وإكلينيكى مبكر داخل المستشفى الجامعى، ومعامل مهارات ومحاكاة متطورة، إلى جانب فتح المجال أمام البحث العلمى والنشر الدولى للطلاب، وهى فلسفة تريد نقل الطالب من موقع المتلقى إلى موقع المشارك، فلا تصبح المحاضرة نهاية المعرفة، وإنما بدايتها.

أما المستشفى الجامعى فيضم مختلف التخصصات الطبية والجراحية ووحدات للرعاية الحرجة والطوارئ وغرف عمليات ذكية وتقنيات حديثة للتشخيص والعلاج، وربما تكمن أهميته الحقيقية فى أنه الجهة التطبيقية لجميع كليات القطاع الصحى بالجامعة، فطالب الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعى والتمريض لا يعيش كل منهم فى جزيرة منفصلة، وإنما يلتقون داخل المنظومة نفسها، تمامًا كما يحدث فى الحياة العملية بعد التخرج، حيث لا ينقذ المريض طبيب واحد، وإنما فريق كامل يعمل فى اللحظة نفسها.

كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعى

التقت «الدستور» الأستاذ الدكتور جودة إسماعيل محمد، عميد كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعى بجامعة كيان للقوات المسلحة، والذى أوضح أن المناهج لم توضع باعتبارها مجموعة مواد يجب أن يكملها الطالب للحصول على الشهادة، وإنما جرى إعدادها بعد الاطلاع على ما تقدمه الجامعات الدولية ومحاولة مواكبة متطلبات العصر وسوق العمل، لتضم الكلية خمسة برامج رئيسية هى علوم الحاسب، وهندسة البرمجيات، والأمن السيبرانى، وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعى، والنظم الذكية.

خمس مساحات تبدو منفصلة فى أسمائها، لكنها فى الحقيقة تتحرك داخل العالم نفسه، فالأمن السيبرانى لم يعد يعنى حماية جهاز أو بريد إلكترونى، بل أصبح جزءًا من حماية اقتصادات ومؤسسات ودول، وعلوم البيانات أصبحت اللغة التى تحاول المؤسسات من خلالها فهم ما يحدث حولها، أما الذكاء الاصطناعى والنظم الذكية فهما اليوم فى قلب ثورة عالمية تعيد تعريف الوظائف والصناعة والطب والإعلام.

ولهذا لا يريد عميد الكلية أن يظل الطالب حبيس الجانب النظرى، فكل مادة تقريبًا يجب أن يكون لها امتداد عملى، وكل معرفة يدرسها الطالب ينبغى أن يجد أمامه معملًا يسمح له بتطبيقها، ولذلك تضم الجامعة معامل متخصصة يمكن استخدامها خلال فترة الدراسة وحتى خلال أوقات المذاكرة، بما يسمح للطالب بالانتقال من مجرد فهم الخوارزمية إلى استخدامها، ومن دراسة البيانات إلى تحليلها، ومن معرفة الذكاء الاصطناعى كمفهوم إلى بناء مشروع بيده.

ويرى عميد الكلية أن الإقامة نفسها تمثل جزءًا من التعليم، لأنها تنمى لدى الطالب مهارات العمل الجماعى، وتضعه فى بيئة يتعامل فيها مع تخصصات أخرى، فضلًا عن وجود متابعة مستمرة تسمح باكتشاف نقاط الضعف مبكرًا والتدخل لعلاجها، فلا ينتظر الطالب حتى نهاية الفصل الدراسى ليعرف أنه تعثر، مضيفًا: «تلخص فلسفة الكلية كلها جملة بسيطة.. الطالب لن يتخرج وهو يعرف فقط كيف تستخدم التكنولوجيا، بل المطلوب أن يعرف كيف يكون جزءًا من صناعتها».

كلية الصيدلة

وحسب الدكتورة ابتهال الدمرداش، عميد كلية الصيدلة بجامعة كيان، فإن الحديث فى الكلية لا يدور عن الخوارزمية وإنما عن الدواء، لكن الفلسفة واحدة تقريبًا، نقل الطالب من حفظ المعلومات إلى فهم كيف تتحول المعرفة إلى شىء يمس حياة الإنسان، موضحة لـ«الدستور» أن الطالب يبدأ مع علوم الكيمياء العضوية والتحليلية والصيدلية، ويتعلم كيف تُبنى المركبات، وكيف يمكن أن يرتبط تركيب كيميائى بهدف علاجى معين، ثم ينتقل إلى علوم الأدوية والسموم والبيولوجيا الجزيئية، ويتعرف على كيفية تقييم فاعلية الدواء ومأمونيته، ثم يصل إلى الصيدلة الصناعية وتصنيع الأشكال الدوائية المختلفة والمستحضرات الحديثة.

لكن التحول الأكبر فى التعليم الصيدلى خلال السنوات الأخيرة كان فى اتجاه الصيدلة الإكلينيكية، مؤكدة: «لم يعد الصيدلى مجرد متخصص يقف بعيدًا عن المريض، وإنما أصبح فى كثير من النظم الصحية جزءًا من الفريق العلاجى نفسه، ومن هنا تظهر ميزة وجود المستشفى الجامعى داخل (كيان)، فالطالب الذى يدرس الدواء أكاديميًا يستطيع أن يرى كيف يُستخدم هذا الدواء داخل المستشفى، وما الذى يحدث حين يدخل إلى خطة علاج مريض حقيقى».

وربما لهذا تبدو العلاقة بين كلية الصيدلة والمستشفى ومركز المحاكاة من أكثر العلاقات أهمية داخل الجامعة، لأن الطالب لا ينتظر سنوات طويلة حتى يرى التطبيق، بل يبدأ تدريجيًا فى الاقتراب من الممارسة الإكلينيكية وفهم دور الصيدلى داخل المنظومة الصحية.

أما الرهان الأكبر داخل الكلية، بحسب العميدة، فهو ألا ينتهى البحث العلمى عند حدود الورقة المنشورة، فالفكرة أن تتحول الأبحاث المصرية، متى أمكن، إلى منتجات ومركبات يمكن أن تجد طريقها إلى السوق، وأن تكون هناك شراكات مع شركات الأدوية والمؤسسات البحثية إلى جانب التعاون مع الجامعات الدولية، لأن البحث العلمى الذى يستطيع الوصول إلى الصناعة يضيف إلى الاقتصاد مثلما يضيف إلى المعرفة.

وهنا يصبح حلم إنتاج منتج دوائى مصرى نابع من بحث مصرى جزءًا من فلسفة أكبر، تتجاوز تخريج صيدلى جيد إلى صناعة بيئة تستطيع أن تنتج المعرفة نفسها.

كلية طب الأسنان

الأستاذ الدكتور رأفت رياض، استشارى جراحة الوجه والفكين وعميد كلية الفم والأسنان، ينطلق فى حديثه لـ«الدستور» من طبيعة هذا التخصص الذى يجمع بين المعرفة الطبية والمهارة اليدوية والدقة الفنية، فالطبيب قد يعرف التشخيص، لكن نجاحه يتوقف أيضًا على قدرته على استخدام يده والتكنولوجيا والأدوات بدرجة شديدة من الدقة، مضيفًا: «لهذا تريد الكلية أن يدخل الطالب إلى التكنولوجيا منذ سنواته الأولى، لا أن ينتظر حتى يتخرج ثم يبدأ البحث عن دورات ليتعلم ما أصبح أساسيًا فى سوق العمل». لا سيما أن التصميم الرقمى، والذكاء الاصطناعى، والتركيبات الرقمية، وتقنيات الليزر، ومراكز التعقيم، ومراكز علاج الأطفال، كلها تدخل فى منظومة التدريب، والهدف أن يرى الطالب منذ البداية كيف تغير التكنولوجيا مهنة طب الأسنان، وكيف يمكن للكمبيوتر أن يساعد فى تصميم تركيبة بسرعة ودقة لم تكن متاحة قبل سنوات.

لكن واحدة من أهم النقاط التى يراهن عليها عميد الكلية هى انتقاء أعداد الطلاب، لافتًا إلى أنه قد يبدو العدد بالنسبة للبعض مجرد رقم فى دليل القبول، لكن فى التعليم الطبى يصبح العدد جزءًا من جودة العملية نفسها، لأن الأستاذ حين يتعامل مع مجموعة صغيرة يستطيع أن يعرف الطالب، ويراقب طريقة عمله، ويكتشف خطأه، ويتابع يده، ويعرف نقاط قوته وضعفه، وهو ما يصعب تحقيقه حين تتحول قاعة الدراسة إلى عشرات أو مئات الوجوه.

وتظهر هنا مرة أخرى فلسفة المتابعة الفردية التى تتكرر فى جامعة كيان، فالمقصود ليس أن يجتاز الطالب المقرر فقط، وإنما أن يعرف الأستاذ كيف يتطور الطالب من عام إلى آخر، مشيرًا إلى أن البحث العلمى يأخذ فى طب الأسنان بعدًا شديد الارتباط بالصناعة، فلماذا تظل بعض المواد والمستلزمات الأساسية مرتبطة بالاستيراد؟ ولماذا لا يصبح الباحث المصرى والطالب جزءًا من محاولة إنتاج مواد حشو أو تركيبات أو مستلزمات تضاهى ما يأتى من الخارج؟، لافتًا إلى أن السؤال فى ذاته يكشف الطموح، بألا يتخرج الطبيب مستخدمًا للتكنولوجيا فقط، بل أن يرى أمامه أيضًا إمكانية أن يصبح يومًا جزءًا من تطويرها أو تصنيعها.

كلية الطب

أما كلية الطب بجامعة كيان، فربما تكون أكثر الكليات التى يظهر فيها بوضوح معنى الانتقال التدريجى من المعرفة إلى الممارسة، لاسيما أن بناء الطبيب لا يبدأ لحظة دخوله المستشفى، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات حين يتعرف للمرة الأولى على تشريح الإنسان ووظائف أعضائه وكيميائه وأدويته، ولذلك تعتمد الكلية على معامل مجهزة للعلوم الأساسية، من التشريح إلى الكيمياء الحيوية والهستولوجى والفسيولوجى والفارماكولوجى. وتلفت الدكتورة شهيرة يوسف، عضو هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة كيان، إلى الفارق الذى صنعته التكنولوجيا فى طريقة تعلم الطالب، فقبل سنوات كان الاعتماد بصورة كبيرة على العينات المحفوظة، أما اليوم فيستطيع الطالب أن يرى النموذج التقليدى، ثم نموذجًا صناعيًا، ثم صورة ثلاثية الأبعاد، ثم يتابع الحركة والعلاقات التشريحية بصورة أكثر وضوحًا، وهكذا لا تظل المعلومة مجرد شكل يحفظه الطالب للامتحان، وإنما تتحول إلى فهم.

ثم يأتى مركز المحاكاة ليضع الطالب أمام الموقف، حتى يأتى المستشفى ليضعه أمام المريض، وبين المحطات الثلاث يتكون الطبيب، فالعلم وحده ليس كافيًا، خاصة أن الطبيب يتعامل مع بشر ومع أسر، ومع خوف وألم ومسئولية، ولهذا لا تهتم الجامعة فقط بالطالب باعتباره دارسًا، وإنما أيضًا باعتباره باحثًا وشخصًا سيقف يومًا أمام مريض يحتاج إلى من يفهمه بقدر ما يحتاج إلى من يفهم المرض، حتى تظهر هنا قيمة الانضباط والمتابعة بصورة أكبر، فالطبيب لا يملك رفاهية الفوضى، وموعده ومسئوليته وقدرته على اتخاذ القرار والعمل ضمن فريق كلها تصبح جزءًا من سلامة المريض نفسه. ولهذا، بحسب الدكتورة شهيرة، فإن الرهان ليس تخريج شخص يحمل شهادة الطب فقط، وإنما طبيب يمتلك أساسًا علميًا قويًا يسمح له بمواكبة ما يظهر من أبحاث جديدة، ويستطيع التعلم طوال حياته، لأن الطبيب الذى يتوقف عن التعلم بعد التخرج يبدأ فى الابتعاد عن الطب منذ تلك اللحظة.

كلية الهندسة

من الطب إلى الهندسة، تتغير الأدوات لكن السؤال يظل نفسه.. كيف نحول ما يتعلمه الطالب إلى قدرة حقيقية؟، وهو ما أجاب عنه الأستاذ الدكتور أحمد زكى إبراهيم، عميد كلية الهندسة، الذى أكد الأهمية لوضع سوق العمل فى قلب الإجابة، فالبرامج الموجودة فى كلية الهندسة بجامعة كيان لها نظائر داخل الجامعات المصرية، لكن اختيارها جاء بعد دراسة ما تحتاج إليه السوق، وما يمكن أن يمنح الخريج مسارًا واعدًا فى المستقبل.

وهنا تعود أهمية تأهيل الجامعة لمهندس يدخل سوق العمل المدنى ويواجه المنافسة، ولذلك يجب أن تجهزه الجامعة لهذه المنافسة منذ اليوم الأول، خاصة أن الكلية تضم أكثر من ثلاثين معملًا حديثًا، جرى تجهيزها فى الأساس لخدمة مرحلة البكالوريوس، مع إمكانية أن يمتد نشاط بعضها مستقبلًا إلى الدراسات العليا، إضافة إلى قاعات مخصصة للمشروعات يمكن للطالب أن يمارس داخلها ما تعلمه، خصوصًا فى مجالات الإلكترونيات وغيرها من التخصصات التطبيقية. وبحسب العميد، فإن المشروعات الجماعية تأتى لتعيد مرة أخرى قيمة العمل فى فريق، لأن سوق العمل لا تنتظر المهندس الذى يعرف فقط كيف يحل المسألة بمفرده، بل تحتاج إلى من يستطيع أن يكون جزءًا من مشروع أكبر، يتواصل ويفكر ويتحمل المسئولية ويعرف كيف يعرض فكرته ويدافع عنها، حتى إن عملية القبول نفسها تحاول النظر إلى قدرات الطالب وليس فقط نوع الشهادة التى جاء منها، فسواء كان قادمًا من الثانوية العامة أو الأزهرية أو الأنظمة الدولية، هناك اختبارات تستهدف قياس بعض الأساسيات فى الرياضيات والفيزياء والميكانيكا والاستعداد الذهنى، حتى تصبح نقطة البداية أكثر عدالة بين خلفيات تعليمية مختلفة.

كلية العلاج الطبيعى

الأستاذ الدكتور محمد سرحان، عميد كلية العلاج الطبيعى بجامعة كيان، تحدث عن الطالب الذى لن يتعلم كيف يتعامل مع العضلة فقط، وإنما سيعيش داخلها، موضحًا أنه فى البداية قد تبدو العبارة بلاغية، لكنها تعبر بالفعل عما تحاول التكنولوجيا الحديثة أن تفعله فى تعليم العلاج الطبيعى.

فالطالب لا يكفى أن يعرف اسم العضلة ومكانها، بل يحتاج إلى أن يرى كيف تعمل، وكيف يتحرك المفصل، وكيف يتفاعل الوتر والرباط والأنسجة، وأن يفهم ما يجرى داخل الجسم قبل أن يضع يده عليه من الخارج، ولهذا- بحسب قوله- تبدأ الرحلة فى السنوات الأولى من فهم التشريح والفسيولوجيا والحركة باستخدام إمكانات تسمح للطالب برؤية الجسم بصورة أكثر عمقًا، ثم ينتقل إلى أجهزة القياس ورسم العضلات والموجات فوق الصوتية وقياس مدى حركة المفصل وغيرها من الأدوات التى تساعده على قراءة الحالة بصورة دقيقة.

بعد ذلك تبدأ المرحلة الإكلينيكية، وهنا تظهر إحدى أهم نقاط قوة الكلية فى وجود المستشفى الجامعى ومركز المحاكاة ومركز متكامل للعلاج الطبيعى والتأهيل وقياس مستوى الرياضيين داخل المنظومة نفسها، فطالب العلاج الطبيعى يمكن أن يسمع فى الصباح محاضرة عن إصابة أو كسر أو حالة عصبية، ثم يتدرب على كيفية التعامل معها، ثم ينتقل فى مرحلة لاحقة إلى المريض الحقيقى تحت الإشراف، وهى سلسلة تعليمية تحاول أن تجعل المسافة بين النظرية والتطبيق أقصر ما يمكن. وفى رؤية عميد الكلية، فإن الإمكانات المادية وحدها لن تكون كافية ما لم يواكبها عنصر بشرى قادر على استخدامها، ولذلك يعتمد نجاح التجربة، أيضًا، على اختيار أعضاء هيئة تدريس يستطيعون نقل المعرفة وتطويرها، لأن أحدث جهاز فى العالم يظل بلا قيمة إن لم يقف خلفه من يعرف لماذا يستخدمه ومتى وكيف.

مسئولو جامعة كيان وعمداء الكليات المختلفة أكدوا لـ«الدستور» أنه حين تتنقل بين هذه الكليات، تكتشف أن القصة لا تتعلق فى الحقيقة بكل كلية منفردة، موضحين أنه لو نظرنا إلى «كيان» باعتبارها طبًا وصيدلة وهندسة وحاسبات وعلاجًا طبيعيًا وطب أسنان، سنرى مجرد مجموعة تخصصات أو كليات تخصصية، لكن لو نظرنا إلى ما يمكن أن يحدث بين هذه التخصصات والكليات، سنرى الجامعة بصورة مختلفة، فقد يبدأ مشروع داخل كلية الحاسبات وينتهى داخل المستشفى، وقد يحتاج طبيب إلى مهندس، أو يحتاج مهندس إلى إخصائى علاج طبيعى، وربما يستخدم باحث فى الصيدلة أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعى، وفى النهاية قد يتحول مشروع تخرج إلى فكرة بحثية ثم إلى نموذج أولى ثم إلى منتج، وهنا تصبح قيمة الجامعة الحقيقية ليست فقط فيما يوجد داخل كل مبنى، بل فيما يمكن أن يحدث حين تفتح الأبواب بين هذه المبانى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق