في عالم الساحرة المستديرة.. هناك مباريات تُلعب بالقدم، وهناك مباريات تُكتب في التاريخ قبل أن تبدأ.
ومباراة مصر ضد الأرجنتين في دور الـ 16 لكأس العالم والمقرر لها يوم الثلاثاء القادم، ليست بالنسبة لي مجرد مواجهة بين منتخبين، ولا مجرد لقاء يجمع منتخبًا صاعدًا لأول مرة إلى دور الـ 16 مع بطل العالم، وإنما هي اختبار جديد لإرادة شعب، وإيمان رجال، وعدالة لا تتأخر كثيرًا عن أصحابها.
وبعد صعود مصر للدور ال ١٦ لأول مرة في تاريخها في كاس العالم لكرة القدم... ونزول الجماهير في الشوارع في مصر والسعودية والإمارات وغزة وسوريا وليبيا ومعظم الدول العربية، بل وفي أمريكا والعواصم الأوروبية لتعبر عن فرحتها بالإنجاز المصري، وكأنها تحتفل في مشهد غير مسبوق بميلاد "مصر الجديدة"، ثم توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي تهنئة خاصة للمنتخب القومي على إنجازه بالفوز على استراليا والصعود للدور التالي في كأس العالم.. توقفت كثيرا أمام هذا المشهد... وشعرت بأن هناك رسالة إلهية تعيد لمصر ثقتها بنفسها، وتؤكد على ريادتها ودورها.. حتى لو كانت هذه الرسالة عبر كرة القدم، فالأمر لا يتعلق بالأهداف وفنون اللعب والتميز والإجادة، لكنه يعلن عن نجاح فكرة الإرادة والثقة بالنفس، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالفكرة جاءت من مسابقة رياضية، لكنها يمكن ان تكود نموذجا للإيمان بالله والثقة بالنفس وقدراتنا الوطنية في كل مجال آخر.
شعرت أن مصر.. تولد من جديد مع هذه الانتصارات المذهلة.. أما لماذا مصر بالتحديد.. تحتاج في هذه الحقبة الصعبة من الزمن لأن تولد من جديد؟ فهذا هو السؤال الأهم!
لأنني حين أتأمل كل ما جرى، أتذكر قول إبليس كما حكاه القرآن:﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وقال أيضًا:﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، ولذلك فإن طريق النجاح لم يكن يومًا خاليًا من المثبطين، ولا من أصحاب اليأس، ولا من دعاة الفشل، فالشيطان ينفذ ذلك في الكون من خلال أولياءه وأتباعه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾، ثم حذرنا سبحانه وتعالى من هذا الاتباع حين قال: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾.
وما أراه من حقد على انتصارات مصر في هذا المحفل الرياضي الكبير من بعض الحاقدين، ومحاولتهم لإفساد فرحة المصريين وزعزعة ثقتهم بأنفسهم وبأبنائهم في المحافل المختلفة، هو جانب مما يدور في العالم ضد مصر، ومحاولة تقييد أدوارها المختلفة، وليس من وجهة نظري إلا عمل من صنيعة الشيطان، وأنه لا يجب لمصر أن تقوم لها قائمة، وأن ما حدث من التفاف وتعاطف حولها في هذا المحفل الكبير هو أمر يرعب من يدرك أهمية مصر ودورها في التاريخ الإنساني.
فمصر ليست مجرد دولة... إنها حضارة ممتدة عبر آلاف السنين، وهي التي احتضنت الأنبياء، وحمت المنطقة في أصعب لحظاتها، وكانت على الدوام سندًا لأشقائها، ودولةً محورية بحكم التاريخ والجغرافيا وثقلها الإنساني، وما اهتز العالم وارتبك في مساره عبر التاريخ، إلا وكانت مصر هي التي تقيمه وتعود به إلى حيث مواطن الاستقرار والأمان.
ولذلك أشعر أن التفاف الجماهير في مصر والأمة العربية، وكثير من جماهير العالم، حول المنتخب المصري يحمل رسالة جميلة، مفادها أن الناس تلتف دائمًا حول من ترى فيه روحًا، وإصرارًا، وكفاحًا.
وقد يبتسم البعض حين أقول إنني لا أستبعد فوز مصر على الأرجنتين، لكنني لا أقول ذلك لأنني أعيش حلمًا، بل لأنني أرى مقدمات، كثيرًا ما سبقت نتائج عظيمة في التاريخ.
لقد علمنا الله سبحانه وتعالى أن النصر لا يأتي بالأماني، وإنما بالأخذ بالأسباب أولًا، فقال عز وجل، حين قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ثم يأتي التوفيق من الله بعد الصدق والإخلاص والعمل.
وهذا بالضبط ما رأيته في منتخب مصر... كتجربة للإرادة، بعيدا عن جوهر كرة القدم وفنونها ومسابقاتها.
أبدأ من الكابتن حسام حسن...المدرب الوطني العظيم الذي لم يتوقف البعض عن انتقاده يومًا، حتى وهو يحقق الانتصارات، لم يكتفوا بنقد أفكاره، بل كانت الهجمات أحيانًا شخصية وقاسية، وللأسف من داخل مصر، وكأن نجاحه يزعج البعض أكثر مما يسعدهم نجاح المنتخب، وطالت الانتقادات شقيقه الكابتن إبراهيم حسن مدير المنتخب، والجهاز الفني بأكمله، حتى خُيّل لكثيرين أن هناك من لا يريد لهذا المنتخب أن يفرح المصريين، لكن الرجل لم يلتفت، ولم يدخل في معارك جانبية، وظل يردد دائمًا أن الأخذ بالأسباب هو الطريق، وأن التوفيق من الله.
فاجتهد، ودرب، وعمل، وآمن بما يفعل، فجاءت النتيجة بصورة لم يشهدها تاريخ الكرة المصرية من قبل... منتخب يقاتل حتى آخر دقيقة، ويفرض احترامه على العالم، ويجذب تعاطف الجماهير من مختلف البلدان، لأن الناس بطبيعتها تحب من يجتهد ويقاتل ولا يستسلم.
أما محمد صلاح...فقد كان هو الآخر هدفًا لسيل من الانتقادات التي تناست أنه أعظم لاعب في تاريخ الكرة المصرية، وسفير حقيقي لمصر في الملاعب الأوروبية، وأحد أبرز نجوم اللعبة في العالم، بل إن البعض حاول طوال الفترة الماضية أن يصنع خلافًا بينه وبين المدير الفني، وحين خرج مصابًا في مباراة إيران، سارع أصحاب الشائعات إلى اختراع الروايات، وكأنهم يبحثون عن أي سبب لإشعال الفتنة، حتى أنهم قالوا أنه عندما أطمئن حسام حسن للصعود، أراد أن يحرم محمد صلاح من هذه اللحظة ليثبت عدم جدواه في الإنجاز، لكن الحقيقة ظهرت بعد ذلك، وأنه هو من طلب الخروج من الملعب لشعوره بالإصابة.
ثم جاءت مباراة أستراليا... ولعب صلاح مئةً وعشرين دقيقة كاملة، وسدد ركلة جزاء عالمية بثبات الكبار، وتم تتويجه بجائزة أفضل لاعب في المباراة، وكأن الملعب هو الذي قرر أن يرد على الجميع.
ولا أنسى مشهد بكاء حسام حسن، وإبراهيم حسن، ومحمد صلاح بعد التأهل... قد يكون بكاء فرحة...وقد يكون بكاء سنوات طويلة من الصبر والعمل والظلم والانتظار، وأراه أيضًا دموعًا تقول إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، والتاريخ يعلمنا أن من يصبر ويعمل، يصل.
لهذا كله...حين أنظر إلى مباراة الأرجنتين، لا أراها مستحيلة... أعرف أننا سنواجه بطل العالم... وهو حامل لقب النسخة السابقة من كأس العالم (قطر 2022)، منتخبًا يضم نجمًا بحجم ليونيل ميسيأسطورة كرة القدم الأرجنتينية، ولاعبين من أعلى مستوى، لكن كرة القدم لا تُحسم بالأسماء وحدها، بل تُحسم بالروح، والانضباط، والتركيز، والإيمان بالقدرة على صناعة المفاجأة.
وأتصور أن حسام حسن سيدخل المباراة بخطة مختلفة وبعض المفاجئات... دفاع منظم، إغلاق للمساحات، وتقليل خطورة ميسي والنجوم المؤثرين، اعتماد على الهجمات المرتدة، والكرات الثابتة، واستغلال أنصاف الفرص.
وأتخيل...نعم، أتخيل...أن المباراة ستظل معلقة حتى دقائقها الأخيرة، ثم تأتي لحظة واحدة...تمريرة...انطلاقة...هدف، وأرى محمد صلاح يسجل هدفًا سيبقى في ذاكرة المصريين طويلًا.
توقعي الشخصي، هو فوز مصر على الارجنتين 1- صفر، وهذا التوقع قد يتحقق...وقد لا يتحقق، لكنني أراه ممكنًا، لأن هذه المجموعة أقنعتني أن المستحيل ليس مجرد كلمة، بل فعل، وحتى لو جاءت النتيجة بغير ما أتمنى وخرج المنتخب من المنافسة – لا قدر الله –فإن شيئًا واحدًا لن يتغير، فهذا المنتخب أدى أكثر مما كان ينتظره كثيرون، وأن الجهاز الفني أوفى بما وعد، بل تجاوز كل التوقعات، وأن هؤلاء اللاعبون يستحقون استقبالًا تاريخيًا يليق بما قدموه.
لقد تحقق الإنجاز بالفعل... أما ما بعد ذلك، فهو فضل من الله يؤتيه من يشاء.
ويبقى أن أقول كلمة أراها واجبة من وجهة نظري، بلا نفاق أو رياء..في أن السبب الرئيس خلف كل هذا الإنجاز، لم يكن ثمرة جهد اللاعبين والجهاز الفني وحدهم والتفاف الملايين من الجماهير حولهم، وإنما جاء أيضًا في سياق دعم الدولة للرياضة، والاعتماد على الكفاءات الوطنية، ونحن نعلم جميعا أن ذلك جاء بتوجيه من القيادة الوطنية الملهمة وأقصد الرئيس عبد الفتاح السيسي... الذي كان توجيهه بالاستعانة بالمدرب الوطني هو الأساس..وأننا يجب أن نثق في أنفسنا وقدراتنا... وأجد أن هذا التوجه أعاد للإنسان المصري احترامه وقيمه وثقته بنفسه والاعتماد على مقوماته... والشعب في فرحته يشعر بذلك... وكل المصريين والعرب بل وحتى الأمريكيين والأوروبيين أصابتهم لوثة الانتماء والفخر بالمنتخب المصري.
وأرى أن التمسك بفكرة المدرب الوطني، والثقة في القدرات المصرية، كان له أثر إيجابي في هذه التجربة، وهو ما يستحق التقدير، وكل ما سبق رغم الأزمات والاصابات والحاقدون من داخل مصر... يقول إن عدالة السماء لم ولن تتخلى عن كل مثابر...وأشعر في أن التفاف العالم الان والمشجعين من كل بقعة في الأرض حول منتخب مصر، هو رسالة في أن مصر ستعود، وأنها وشعبها مكلفين برمانة ميزان العالم.
وأخيرًا...قد يعتبر البعض ما كتبته مجرد توقع، وأنا لا أخالفه... إنه بالفعل توقع.
لكنه توقع صنعته قراءة للمشهد، وإيمان بأن الله يبارك العمل الصادق، وأن الاجتهاد لا يضيع، وأن الشعوب التي تؤمن بنفسها تستطيع أن تصنع ما كان يراه الآخرون مستحيلًا.
لذلك أقولها بكل قناعة...هذا ليس حلمًا... بل توقعي لمباراة مصر والأرجنتين.


















0 تعليق