بين أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتحديدا داخل جناح دار نشر «أطياف»، لم يكن اللقاء مع الرحالة والكاتب عمري سليم مجرد حوار عابر حول كتاب جديد، بل كان بوابة لحكاية طويلة بدأت بدراجة، وانتهت عند أبواب أقدس مكان في قلوب المسلمين، لا يحكي كتابه الجديد «الطريق إلى مكة» عن مسافات قطعت، بقدر ما يوثق رحلة داخل النفس، بحثا عن المعنى، واليقين، والسكينة.
عمري سليم، مهندس كهرباء يسكنه شغف الترحال، وراكب دراجات، وكاتب أدب رحلات، يقف بهدوء وسط زحام المعرض، وكأنه ما زال يحمل غبار الصحراء على يديه، يتحدث عن رحلته ببساطة تشبه الطريق الذي سلكه:«مكانتش مغامرة ولا تحدي جسدي بس، كانت رحلة لاكتشاف نفسي».
بدأت الحكاية من بيت عادي، وأتوبيس متجه إلى الغردقة، ثم دراجة انطلقت في السادسة صباحا نحو سفاجا، ثم عبّارة عبرت البحر، وصولا إلى ضبا في الجانب الآخر، بعدها، صار الطريق صحراء مفتوحة، ومسافات فارغة، ومدن تفصل بينها مئات الكيلومترات، وكان أقل يوم قطعه لم يكن يقل عن 140 كيلومترا، في عزلة شبه كاملة، لا يصاحبه سوى صوته، ونفسه، وإيمانه.
كان يستيقظ قبل الفجر بساعة، يجهز عدته، يتوضأ، وما إن يعلو الأذان حتى يصلي وينطلق، لا خدمات في الطريق، ولا محطات قريبة، فقط طعام وماء حملهما بعناية، ومعهما يقين بأن لكل خطوة معنى، الطريق لم يكن ممهدا، لكنه كان صادقا.
في قلب الصحراء، لم تكن الوحدة مطلقة، وجوه عابرة، وأيادي ممدودة، وكلمات بسيطة كانت كافية لتخفف ثقل المسافة، أشخاص توقفوا فقط ليطمئنوا عليه، أو يلتقطوا صورة، أو يسألوه: «عامل إيه» هؤلاء لم يكونوا مجرد عابرين، بل صاروا «رفقاء الطريق»، خصص لهم فصلا كاملا في كتابه، عرفانا بما قدموه من دعم إنساني صامت.
الرحلة كانت مجازفة يومية؛ لا يعرف أين سينام خيمة، أم مسجد، أم محطة وقود، أو على جانب الطريق، كان يأكل ما تيسر، ويشرب ما يجده، مدفوعا بهدف واضح وهو الوصول إلى الأماكن المقدسة، فالحلم بزيارة المسجد النبوي ومكة المكرمة ليس حكرا على أحد، بل رغبة إنسانية عميقة تسكن القلوب.
داخل الأراضي السعودية، غير مسار رحلته ليتجه نحو بدر، وهناك أمام أسماء شهداء أول معركة في الإسلام، شعر بأن التاريخ لم يعد نصا مقروءا، بل مكانا يلمس ويرى، لحظة صامتة، لكنها مشحونة بالرهبة والمعنى.
وحين وصل إلى المدينة المنورة، توقفت الكلمات، الوقوف أمام القبة الخضراء، وأداء أول صلاة في المسجد النبوي، كانا ذروة الرحلة الروحية، قبل أن تكتمل الدائرة في مكة المكرمة، ارتداء الإحرام لم يكن مجرد طقس ديني، بل لحظة مكافأة، كأن الطريق كله كان يقوده إلى هذه اللحظة.
سبعة أيام، أكثر من ألف كيلومتر، صحراء وهواء وتراب، لكنها كانت كافية لتغيير أشياء كثيرة داخله، عاد أقل تعلقا بالأشياء، أكثر بساطة في الحياة، وأكثر وعيا بقيمة التنظيم والاقتصاد في كل شيء، الترحال كما يقول، يعيد ترتيب الإنسان من الداخل.
لم تخل الرحلة من المخاطر؛ فنقص العملة، والنوم في أماكن مفتوحة، وطرق محمية وحيوانات مفترسة، ومواقف أنقذته فيها يد العناية الإلهية عبر بشر لم يعرف أسماءهم، ومع ذلك، بقي الإيمان هو الوقود الحقيقي.
ويعد «الطريق إلى مكة» هو الإصدار السابع في مسيرة عمري سليم، بعد كتب وثقت رحلاته بين المدن والبلدان، من القاهرة إلى الجنوب، ومن الترحال في مصر إلى زيارة الأماكن المقدسة، لكنه يؤكد أن هذا الكتاب تحديدا هو الأقرب إليه، لأنه كتب من الداخل، قبل أن يُكتب على الورق.
- "فراعنة من؟".. كتاب مهم عن تاريخ حفظ آثار مصر.. ما دور المصريين؟
- بدء فعاليات مناقشة كتاب "الطريق إلى مكة" لعمرو سليم في صالون الدستور الثقافي
- «سأقتل كل عصافير الدوري» مجموعة القاصة العُمانية هدى حمد: طفولة معلقة في الجهة الأخرى من الغروب
- شكاوى وخلافات وذكريات مؤثرة.. كتاب شقيق الأميرة ديانا يثير الجدل
- المتفرد.. إصدار للقومي للترجمة يقرأ التوحد من زاوية أخرى






