"فراعنة من؟".. كتاب مهم عن تاريخ حفظ آثار مصر.. ما دور المصريين؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يقدم كتاب "فراعنة من؟.. علم الآثار والمتاحف والهوية القومية المصرية من حملة نابليون حتى الحرب العالمية الأولى" للمؤرخ الأمريكي دونالد مالكولم ريد، وترجمة المؤرخ المصري رءوف عباس، قراءة واسعة لتاريخ علم المصريات في مصر، من لحظة الحملة الفرنسية سنة 1798، وما صاحبها من اهتمام علمي وسياسي بالآثار، حتى عام 1914، مع تقاعد ماسبيرو وأحمد كمال واندلاع الحرب العالمية الأولى.

يبدو الكتاب في ظاهره تاريخًا للآثار والمتاحف، ويكشف في عمقه قصة أوسع، كيف تحولت الآثار المصرية من مادة للرحالة والقناصل والمتاحف الأوروبية إلى عنصر فاعل في بناء الهوية الوطنية المصرية؟ وكيف شارك المصريون في هذا المسار، من الجبرتي ورفاعة الطهطاوي وعلي مبارك، إلى أحمد كمال وعلي بهجت ومرقص سميكة؟
تأتي أهمية الكتاب من أنه يعيد ترتيب الرواية، فالتاريخ الشائع لعلم المصريات يمنح البطولة غالبًا لشامبليون ومارييت وماسبيرو وبتري وكارتر، بينما يفتح ريد مساحة واسعة للأسماء المصرية التي قرأت الآثار داخل معنى الوطن، وسعت إلى حماية التراث، وربطت مصر الحديثة بجذورها التاريخية.

صدر الأصل الإنجليزي بعنوان:
Whose Pharaohs? Archaeology, Museums, and Egyptian National Identity from Napoleon to World War I
عن دار نشر جامعة كاليفورنيا سنة 2002، وصدرت الترجمة العربية سنة 2005.يتوزع الكتاب على بابين كبيرين: الأول بعنوان "البدايات الإمبريالية والوطنية: 1798–1882"، والثاني بعنوان "ظهور الإمبريالية وفجر الوطنية: 1882–1914"، وبين البابين تتشكل رحلة معرفية وسياسية تبدأ بالحملة الفرنسية وفك رموز الهيروغليفية، وتصل إلى نشأة المؤسسات الأثرية والمتاحف المصرية تحت ضغط التنافس الأوروبي وصعود الوعي الوطني.

فكرة الكتاب المركزية

يقوم الكتاب على فكرة محورية، علم الآثار في مصر نشأ داخل علاقة معقدة بين المعرفة والسلطة، فالآثار جذبت علماء أوروبا، وشغلت المتاحف الغربية، ودخلت في مشروعات الإمبراطوريات الحديثة، ثم تحولت تدريجيًا إلى ركن من أركان الوعي الوطني المصري.
يرى ريد أن تاريخ الآثار المصرية يحتاج إلى قراءة تجمع بين المختبر والمتحف والإدارة والسياسة والهوية. فالعالم الذي ينسخ نقشًا، والموظف الذي ينظم متحفًا، والقنصل الذي يرسل قطعة أثرية إلى أوروبا، والمثقف المصري الذي يكتب عن مصر القديمة، جميعهم يشكلون شبكة واحدة لفهم معنى الآثار في القرن التاسع عشر.
ومن هنا يتجاوز الكتاب التأريخ التقليدي لعلم المصريات بوصفه سجلًا للاكتشافات، ويدرسه بوصفه ساحة صراع حول الملكية والمعنى والهوية: من يملك الماضي؟ ومن يحق له تفسيره؟ ومن يستفيد من عرضه في المتاحف والمعارض الدولية؟


كتاب فراعنة من؟

 

الحملة الفرنسية وبداية السؤال

يفتتح الكتاب رحلته من الحملة الفرنسية على مصر، فقد جاءت الحملة ومعها العلماء والرسامون والمساحون، ونتج عنها مشروع ضخم هو "وصف مصر"، ومع حجر رشيد، ثم جهود شامبليون في فك رموز الهيروغليفية سنة 1822، بدأ علم المصريات الحديث يأخذ شكله العلمي.
في هذه المرحلة يضع ريد شامبليون إلى جوار رفاعة الطهطاوي. فشامبليون فتح النصوص المصرية القديمة أمام القارئ الأوروبي، والطهطاوي فتح باب الاهتمام بتاريخ مصر القديمة أمام القارئ العربي والمصري. هذه المقارنة تحمل روح الكتاب كلها؛ فهو يضع العالم المصري داخل المشهد، ويمنحه دوره في استقبال المعرفة وإعادة توجيهها داخل المجتمع المصري.
وتحضر هنا أوامر محمد علي الخاصة بمنع خروج العاديات وتخصيص مكان لحفظها، بوصفها لحظة مبكرة في وعي الدولة بخطورة تهريب الآثار، فقد أدركت الدولة الناشئة أن الآثار ثروة رمزية ومادية، وأن خروجها المتواصل يعني فقدان جزء من ذاكرة البلاد.

نشأة مصلحة الآثار المصرية

يعطي الكتاب مساحة مهمة لأوجست مارييت، العالم الفرنسي الذي ارتبط اسمه بنشأة مصلحة الآثار المصرية والمتحف المصري في بولاق، ففي أول يونيو 1858، أصبح مارييت "مأمور الأنتيكات"، وهي اللحظة التي يربطها الكتاب بتشكل جهاز إداري لحماية الآثار وتنظيم الحفائر.
تعددت أسماء هذه الجهة في ذلك الوقت بين مصلحة الأنتيكات، ومصلحة الأنتكخانة، ومصلحة الآثار، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية؛ فالدولة كانت تبني أدواتها الإدارية الحديثة، وعلم المصريات كان يبحث عن مؤسساته، والآثار كانت تتحول من مجال للالتقاط والاقتناء إلى مجال يحتاج إلى قانون ومتحف وموظفين وخطة حفظ.
كان مارييت شخصية محورية في هذه المرحلة. فقد عمل في الحفائر، وجمع الآثار، وأسس نواة المتحف، وشارك في تقديم مصر في المعارض الدولية. ويميز الكتاب بين دوره العلمي والإداري وبين السياق السياسي الذي عمل داخله؛ فقد كانت فرنسا حاضرة بقوة في علم المصريات، وكانت مصلحة الآثار مجالًا ظاهرًا من مجالات النفوذ الفرنسي داخل مصر.

متحف بولاق والتمثيل الرسمي لمصر

يبرز متحف بولاق في الكتاب بوصفه خطوة مفصلية في تاريخ المتاحف المصرية. فالمتحف منح الآثار مكانًا داخل مصر، وقدم للجمهور والسائحين صورة منظمة عن الماضي المصري. كما جعل الدولة شريكة في عرض تراثها، حتى وإن ظل الإشراف العلمي والإداري في يد خبراء أجانب.


ويتابع ريد علاقة المتحف بالمعارض الدولية، خاصة في عهد الخديو إسماعيل. فقد استخدم إسماعيل الآثار المصرية داخل صورة كبرى يريد تصديرها عن مصر الحديثة: بلد يمتلك ماضيًا عظيمًا، ومشروعًا تحديثيًا واسعًا، وحضورًا دوليًا متزايدًا. ومن هنا صارت الآثار جزءًا من لغة السياسة والثقافة والتمثيل الخارجي.

في هذا السياق يظهر مارييت بوصفه مديرًا للآثار ووسيطًا بين مصر وأوروبا. وقد حافظ في مواقف معينة على مقتنيات بولاق، ورفض خروج بعض القطع، بما يكشف أن علاقة الأثر بالدولة والمتاحف الأوروبية كانت موضع تفاوض دائم.

قانون الآثار وتحول الإدارة

بعد وفاة مارييت سنة 1881، دخلت مصلحة الآثار مرحلة جديدة. وفي سنة 1883 صدر قانون الآثار الذي نص على ملكية الدولة للآثار والمتاحف، وألحق مصلحة الآثار بوزارة الأشغال العمومية. هذه النقطة شديدة الأهمية؛ لأنها تنقل الآثار إلى إطار قانوني وإداري واضح داخل الدولة.

يرى الكتاب أن تبعية المصلحة لوزارة الأشغال تكشف نظرة إدارية عملية إلى الآثار، أقرب إلى ملف عمراني ومرفقي، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى وزارة المعارف عام 1929، ثم إلى وزارة الثقافة والإرشاد القومي عام 1958. هذا التحول في التبعية يلخص تغير معنى الآثار: من الحفظ والإدارة إلى التعليم والثقافة والهوية.

ماسبيرو وأحمد كمال

يخصص الكتاب فصلًا مهمًا لعهد ماسبيرو وأحمد كمال، وفيه تظهر واحدة من أهم قضاياه: دخول المصريين إلى علم المصريات. فقد تولى ماسبيرو إدارة مصلحة الآثار خلفًا لمارييت، وأعاد تنظيمها، واستمر في أعمال التنقيب والنشر، وربط المصلحة بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية.

في المقابل يظهر أحمد كمال بوصفه الرائد المصري الأبرز في علم المصريات. تعلم، واشتغل، وكتب، ودافع عن حق المصريين في دراسة آثار بلادهم والعمل داخل مؤسساتها. ومن خلاله يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا: كيف ظل المصريون أصحاب الأرض خارج مواقع القرار العلمي والإداري في مجال يخص تاريخهم المباشر؟
تكمن قيمة أحمد كمال عند ريد في أنه حول الاهتمام بالآثار من معرفة نخبوية محدودة إلى قضية وطنية وتعليمية. فقد رأى أن المصريين يحتاجون إلى تدريب حقيقي، وأن فهم آثار مصر يجب أن يكون جزءًا من تكوينهم الحديث.

المصريون في قلب القصة

يمنح الكتاب حضورًا واضحًا لأسماء مصرية متعددة. فالجبرتي يظهر بوصفه شاهدًا مبكرًا على زمن الحملة الفرنسية، والطهطاوي يظهر بوصفه مثقفًا نقل معرفة مصر القديمة إلى العربية، وعلي مبارك ومحمود الفلكي يمثلان جيلًا موسوعيًا جمع بين الإدارة والتعليم والمعرفة التاريخية والجغرافية.

ثم يأتي جيل أكثر تخصصًا: أحمد كمال في علم المصريات، علي بهجت في الآثار الإسلامية ومتحف الفن العربي، ومرقص سميكة في التاريخ القبطي والمتحف القبطي. وبهذا يبني الكتاب خريطة واسعة لتراث مصر، تشمل الفرعوني واليوناني الروماني والقبطي والإسلامي.

هذه النظرة تمنح الكتاب توازنه. فمصر في قراءة ريد ليست زمنًا فرعونيًا وحده، بل طبقات متراكبة من التاريخ. والهوية الوطنية المصرية تشكلت من تفاعل هذه الطبقات، ومن جهود مثقفين ومؤسسات حاولت أن تجعل الماضي حاضرًا في التعليم والمتاحف والصحافة والوجدان العام.

الآثار والهوية الوطنية

واحدة من أهم نقاط الكتاب أن الآثار شاركت في تشكيل الهوية الوطنية المصرية. فمصر القديمة، التي نظر إليها كثيرون في البداية عبر عدسة دينية أو أسطورية أو استشراقية، صارت مع الوقت مصدرًا للفخر الوطني. وقد أسهم الطهطاوي وأحمد كمال وأحمد لطفي السيد وغيرهم في جعل التاريخ الفرعوني مكونًا من مكونات النهضة الحديثة.

ويمتد هذا الأثر إلى الفن والرموز العامة. فصورة الأهرام، والنيل، والمعبد، والتمثال، دخلت في الصحافة والفنون والعمارة والعملات والطوابع والخطاب الوطني. ومع الزمن صار الماضي الأثري جزءًا من سؤال أكبر: كيف ترى مصر نفسها؟ وكيف تقدم تاريخها للعالم؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق