من خرمشهر إلى حزب الله.. تقرير أميركي: هكذا تعلمت طهران كيف تنجو دون تحقيق النصر

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
ذكر موقع "Small Wars Journal" الأميركي أنه "عندما استعادت القوات الإيرانية مدينة خرمشهر في أيار 1982، كان من الممكن أن تنتهي الحرب الإيرانية العراقية، فقد أبدى العراق استعداده لوقف إطلاق النار، وتراجعت إيران عن غزوها، ولم يعد التوازن الاستراتيجي يبرر التصعيد. ومع ذلك، اختارت طهران مواصلة الحرب لست سنوات أخرى، ولم يكن هذا القرار مجرد عناد أيديولوجي، بل كان بمثابة تحول حاسم في كيفية تعريف الجمهورية الإسلامية للنصر نفسه".

وبحسب الموقع، "أصبح البقاء والصمود والترسيخ الأيديولوجي بدائلَ للنجاح العسكري الحاسم، ولا يزال هذا التعريف الجديد للنصر، الذي نشأ خلال الحرب الإيرانية العراقية، محورياً في سلوك إيران الاستراتيجي اليوم. فمن حزب الله في لبنان إلى الفصائل الموالية لإيران في العراق واليمن، يعكس نهج طهران عقيدةً لا تقوم على الانتصار، بل على الاستنزاف والتكيف وتعلم كيفية الصمود دون تحقيق نصرٍ حاسم".

خرمشهر كنقطة تحول استراتيجية

وتابع الموقع، "كشفت المرحلة الأولى من الحرب عن هشاشة إيران، فقد أدت عمليات التطهير التي أعقبت الثورة في الجيش النظامي، وإعدام أو فصل كبار الضباط، والتشكيل السريع للحرس الثوري الإسلامي، إلى ترك طهران غير مستعدة لخوض صراع تقليدي. كما وقد ساهم الارتباك الإيراني في التقدم الأولي للعراق، وليس براعة العمليات العراقية، كما هو موثق في العديد من التقييمات التاريخية والسياسية للحرب، إلا أن بقاء إيران أصبح النتيجة الأهم للحرب. فبعد معركة خرمشهر، استوعب القادة الإيرانيون درساً بالغ الأهمية: بإمكان النظام تحمل عقاب شديد طالما أنه يحشد المجتمع أيديولوجياً ويصوّر الصمود على أنه نصر معنوي، وأصبحت الأرض ثانوية أمام الشرعية، وأصبح الوقت أثمن من المناورة. لقد قلب هذا المنطق مفهوم الردع التقليدي رأساً على عقب، فلم تعد الخسائر تشير إلى الفشل، بل أصبحت دليلاً على الصواب والمقاومة". 

التعلم والتكيف المؤسسي للحرس الثوري الإيراني

وبحسب الموقع، "خرج الحرس الثوري الإيراني من الحرب كمؤسسة تشكلت عبر الارتجال لا عبر عقيدة عسكرية، وقد عكس اعتماده المبكر على الهجمات الجماعية والإصابات البشرية الفادحة ضعفاً مادياً لا براعة استراتيجية. لكن مع مرور الوقت، تعلم الحرس كيفية الحفاظ على قوته البشرية مع مواصلة الضغط. هذا التحول، من التعبئة الجماهيرية التي يمكن التضحية بها إلى الحفاظ على القوة، مهد الطريق لعقيدة إيران الحديثة بالوكالة، فبدلاً من مواجهة الخصوم مباشرة، تعلمت طهران نقل المخاطر إلى جهات خارجية، والقتال عبر وسطاء، وتوسيع نطاق الصراعات عبر الزمان والمكان، وقد تم توثيق تطور الحرس الثوري الإيراني إلى قوة عابرة للحدود ذات قدرات استكشافية بشكل جيد. وفي المراحل الأخيرة من الحرب، أصبح تركيز القيادة الإيرانية أقل على النصر في ساحة المعركة وأكثر على بقاء النظام، والتوطيد الداخلي، وبسط النفوذ خارج حدود إيران".

الأيديولوجيا كأصل تشغيلي

وتابع الموقع، "لعبت الأيديولوجيا دوراً محورياً كأداة عسكرية خلال الحرب، فقد صوّر القادة الإيرانيون القتال كدفاع مقدس، والاستشهاد كسمو، والمعاناة كشرعية، وقد مكّن هذا النهج الخطابي طهران من التعويض عن النقص المادي وقمع المعارضة الداخلية في ظل ظروف الحرب. والأهم من ذلك، أن الأيديولوجيا أعادت تعريف الهزيمة، فلم تُضعف الخسائر البشرية العزيمة، بل عززتها، وأصبح الصمود بحد ذاته نصراً، ولا تزال هذه النظرة العالمية تُشكّل الثقافة الاستراتيجية الإيرانية، مُحبطةً نماذج الردع الغربية القائمة على حسابات الربح والخسارة العقلانية. وكثيراً ما تُفسّر إيران حملات الضغط على أنها تأكيد لرواية مقاومتها بدلاً من كونها حوافز لضبط النفس". 

حزب الله: النتيجة النموذجية

وبحسب الموقع، "يمثل حزب الله التطبيق الأمثل لتجارب إيران في فترة ما بعد الحرب، فعلى عكس إيران في ثمانينيات القرن الماضي، لا يسعى حزب الله إلى هزيمة إسرائيل عسكرياً، بل يتجنب المواجهات الحاسمة، ويحافظ على قواته، ويقيس نجاحه بالبقاء والردع والهيمنة على الخطاب العام. وتُعدّ حرب لبنان عام 2006 مثالاً يُحتذى به. فلم يحقق حزب الله نصراً ميدانياً، لكنه صمد، وقد صُوِّر هذا الصمود على أنه نجاح، مما عزز مكانة الحزب سياسياً ودمجه بشكل أعمق في منظومة الأمن اللبناني. ومن وجهة نظر طهران، أثبتت هذه النتيجة صحة استراتيجية التصعيد المحدود والصمود".

تطبيق النموذج في مسارح متعددة

وتابع الموقع، "طبقت إيران هذا النموذج في أنحاء المنطقة. ففي العراق، تمتص الفصائل الضغوط التي تتجنبها طهران مباشرة، وفي سوريا، تُطيل القوات الإيرانية ووكلاؤها أمد الصراع دون السعي إلى حل حاسم، وفي اليمن، يُكبّد الحوثيون خسائر استراتيجية تفوق قدراتهم، وفي البحر الأحمر، يُحدث اضطراب محدود آثارًا اقتصادية عالمية دون أن يُفضي إلى رد فعل شامل. وفي مختلف هذه المسارح، تتجنب إيران "الفوز" في الحروب لأن النصر الحاسم يتطلب تحمل المسؤولية، والسيطرة على التصعيد، والتسوية السياسية. وبدلاً من ذلك، تسعى طهران إلى تحقيق الاستقرار الدائم: عدم استقرار مُدار يُنهك الخصوم بمرور الوقت. ويتماشى هذا النهج مع تقييمات وكالة استخبارات الدفاع الأميركية وغيرها من المؤسسات السياسية التي تُؤكد على تفضيل إيران للمواجهة غير المباشرة والصبر الاستراتيجي".

الآثار المترتبة على الولايات المتحدة وحلفائها

وبحسب الموقع، "كثيراً ما تفشل جهود الردع الغربية ضد إيران لأنها تفترض تعريفات مشتركة للنجاح، ولا تسعى طهران إلى نتائج حاسمة، بل إلى البقاء والشرعية وكسب الوقت، وغالباً ما يعزز التصعيد المصمم لفرض تكاليف باهظة صورة إيران الذاتية كقوة محاصرة لكنها عادلة. إن أي استراتيجية فعّالة تجاه إيران يجب أن تأخذ في الحسبان تجربة النظام التكوينية خلال الحرب الإيرانية العراقية. فقد خرجت الجمهورية الإسلامية منها منهكة لكنها متماسكة، واستنتجت أن الصمود بحد ذاته يمنح الشرعية. لذلك، إن الضغط وحده، دون استراتيجية سياسية، يُنذر بتكرار الدورة نفسها: التصعيد، والصمود، والجمود الاستراتيجي". 

الذاكرة المؤسسية

وختم الموقع، "لم تكن الحرب الإيرانية العراقية مجرد مأساة تاريخية، بل كانت بوتقةً تشكلت فيها العقيدة الاستراتيجية الإيرانية الحديثة. فمن خرمشهر إلى حزب الله، تعلمت طهران كيف تنجو دون نصر، وكيف تقاتل دون حسم، وكيف تصمد دون استسلام. إن سلوك إيران اليوم يعكس استمرارية لا ارتجالاً، وطالما لم يدرك صناع القرار أن طهران تقيس النجاح بالبقاء لا بالنصر، فسيظل منطقها الاستراتيجي غير مفهوم، وقدرتها على الصمود مُستهاناً بها". 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق