يمكن اختصار العام 2025، الذي غادرنا أمس، بعبارات من نوع "المراوحة" و"الاستقرار"، لكن بمعانيهما السلبية، طالما أنّهما اقترنا بانتظار "قاتل" لم يغب عن الرزنامة بالمطلق. فإذا كان صحيحًا أنّ لبنان نجا من "الانفجار الكبير"، بدليل أنّ "الحرب الشاملة" التي لوّحت بها إسرائيل على امتداد أيام العام لم تقع (بعد)، إلا أنّ هذه "النجاة" إن صحّ التعبير، لم تكن بلا ثمن، فلبنان عاش على حافة هذا الانفجار من أول أيام العام، وحتى آخرها.
يكفي للدلالة على ذلك أن نتذكّر أنّ لبنان الذي انشغل خلال العام بمحاولة "احتواء" التهديدات الإسرائيلية، وبالتالي مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على تل أبيب لمنعها من "توسيع" عمليتها العسكرية، كاد ينضمّ إلى جوقة "المطبّعين" إن لم يكن مع إسرائيل، بل على الأقلّ مع فكرة أنّ وجودها في المنطقة قائم بحكم الأم الواقع الذي لا يمكن تجاوزه، وربما حتى مع فرضية "حرية الحركة" التي ادّعت وجوده في البدء، قبل أن تدخله حيّز التنفيذ وسط صمت عالميّ.
هكذا مرّ عام كامل على قاعدة إدارة المخاطر بدل معالجتها، وترحيل الاستحقاقات الثقيلة بدل حسمها، فيما بدت الدولة كأنها تتحرّك بالحدّ الأدنى الضروري لمنع السقوط، من دون امتلاك القدرة أو الإرادة لاتخاذ قرارات مفصلية، على الرغم من أنّ نقطة تسجّل لهذا العام، تكمن في انطلاقته، مع "إنجاز" انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، وقد تكون عبارة "إنجاز" هنا معبّرة، خصوصًا أنّ مثل هذا الاستحقاق كان يفترض أن يكون من البديهيّات..
مؤسسات تعمل… لكن القرارات الكبرى مؤجَّلة
سياسيًا، شكّل انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة في كانون الثاني 2025 محطة مفصلية أعادت انتظام الحياة الدستورية، وأنهت فراغًا رئاسيًا طال أمده، وهو ما استُكمِل أيضًا مع تشكيل الحكومة وعقد جلسات وزارية وتشريعية متلاحقة، إذ بدا ظاهريًا أنّ الدولة عادت إلى العمل. لكن خلف هذا "الانتظام الشكلي"، بقيت القرارات المفصلية "عالقة"، بدليل الوضع غير الثابت في الجنوب، حيث تسود معادلة "لا حرب شاملة ولا سلام مستقر".
داخليًا، لم يكن العجز بهذا المعنى في انعقاد المؤسسات كما كان في مرحلة الفراغ الرئاسي، بل في حسم الخيارات. فملف حصرية السلاح، على سبيل المثال، دخل مسارًا تدريجيًا ملتبسًا، إذ طُرحت مقاربات وخيارات على أكثر من مستوى، ووُضعت خطط عملية، لكن التنفيذ بقي مؤجّلًا ومقيّدًا بتوازنات الداخل وحسابات الإقليم. كذلك، برز مبكرًا شبح الخلاف حول قانون الانتخاب وآلية اقتراع المغتربين، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول مصير انتخابات 2026.
العِبرة هنا واضحة: الدولة التي تعمل بلا قرارات سيادية حاسمة، تبقى دولة مُدارة لا دولة حاكمة، مهما انتظمت مؤسساتها. ولعلّ ذلك ينطبق خصوصًا على الجنوب اللبناني الذي كان عنوان العام بامتياز. فبين تهديدات متواصلة بتوسيع الحرب، وضغوط دولية لمنع الانفجار، عاش لبنان معادلة دقيقة، كانت نتيجتها المراوحة كخيار اضطراري، مع فتح بعض "النوافذ"، خصوصًا على مستوى التفاوض، وهو ما لا يبدو كافيًا لمنع الاستنزاف الذي يعيشه البلد.
تثبيت الانهيار بدل كسره
اقتصاديًا، لم يكن 2025 عامًا لانفجار مالي جديد، لكنه لم يكن أيضًا عامًا للتعافي، كما كان يأمل كثيرون مع تشكيل حكومة جديدة. باختصار، يمكن وصفه بسنة "تثبيت الانهيار"، وهو ما تعزّزه مجموعة من العوامل، بينها سعر الصرف الذي بقي شبه مستقر على امتداد العام، وكذلك التضخّم الذي كان مضبوطًا نسبيًا، فيما بدا أنّ الاقتصاد يعيش على التحويلات الخارجية، والمبادرات الفردية، وما تبقّى من دورة نقدية.
ومع أنّ الحكومة حاولت تحريك ملف الإصلاحات، من خلال مشاريع تتصل بالانتظام المالي والفجوة المصرفية، لكن هذه الخطوات بقيت محاصرة بنزاعات سياسية وبرلمانية، وبخوف عام من كلفة أي قرار جذري. وفي السياق نفسه، لم تُحسم مسألة توزيع الخسائر، وبقيت العلاقة مع صندوق النقد الدولي في منطقة المراوحة. وبدا أن دفعَ الإصلاحات بقي مشروطًا وخاضعًا لحسابات الخارج والداخل، فيما ظلّ ملف حصرية السلاح حاضرًا كعامل ضاغط في الخلفية.
في القضاء، بدا 2025 عامًا للحركة أكثر منه عامًا للنتائج، وقد تحرّكت فيه ملفات كبرى كانت مجمّدة لسنوات، على رأسها قضية انفجار مرفأ بيروت، وإن بقي الجمود على خطها طاغيًا، إلى جانب ملفات المخدرات، وصولًا إلى ملاحقات طاولت وزراء ومسؤولين سابقين. هذا الحراك أعاد بعض الثقة بدور القضاء، وأوحى بأن هناك محاولة جدّية لكسر خطوط حمراء تقليدية، ولو أنّها بقيت محكومة بسقوف سياسية وقانونية واضحة.
في المحصّلة، لم تكن 2025 سنة ضائعة بالكامل، لكنها كانت سنة التأجيل إن جاز القول. أُنجز فيها الاستحقاق الرئاسي، وانتظمت المؤسسات، وتجنّب لبنان حربًا كبرى، لكن كل ذلك حصل من دون معالجة جذور الأزمات. العِبرة الأوضح أنّ ترحيل الانفجار لا يلغي كلفته، بل ينقلها إلى مرحلة لاحقة بشروط أصعب. ومع دخول 2026، يعود السؤال نفسه بقوة أكبر: إلى متى يستطيع لبنان إدارة أزماته بدل حسمها؟
يكفي للدلالة على ذلك أن نتذكّر أنّ لبنان الذي انشغل خلال العام بمحاولة "احتواء" التهديدات الإسرائيلية، وبالتالي مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على تل أبيب لمنعها من "توسيع" عمليتها العسكرية، كاد ينضمّ إلى جوقة "المطبّعين" إن لم يكن مع إسرائيل، بل على الأقلّ مع فكرة أنّ وجودها في المنطقة قائم بحكم الأم الواقع الذي لا يمكن تجاوزه، وربما حتى مع فرضية "حرية الحركة" التي ادّعت وجوده في البدء، قبل أن تدخله حيّز التنفيذ وسط صمت عالميّ.
هكذا مرّ عام كامل على قاعدة إدارة المخاطر بدل معالجتها، وترحيل الاستحقاقات الثقيلة بدل حسمها، فيما بدت الدولة كأنها تتحرّك بالحدّ الأدنى الضروري لمنع السقوط، من دون امتلاك القدرة أو الإرادة لاتخاذ قرارات مفصلية، على الرغم من أنّ نقطة تسجّل لهذا العام، تكمن في انطلاقته، مع "إنجاز" انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، وقد تكون عبارة "إنجاز" هنا معبّرة، خصوصًا أنّ مثل هذا الاستحقاق كان يفترض أن يكون من البديهيّات..
مؤسسات تعمل… لكن القرارات الكبرى مؤجَّلة
سياسيًا، شكّل انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة في كانون الثاني 2025 محطة مفصلية أعادت انتظام الحياة الدستورية، وأنهت فراغًا رئاسيًا طال أمده، وهو ما استُكمِل أيضًا مع تشكيل الحكومة وعقد جلسات وزارية وتشريعية متلاحقة، إذ بدا ظاهريًا أنّ الدولة عادت إلى العمل. لكن خلف هذا "الانتظام الشكلي"، بقيت القرارات المفصلية "عالقة"، بدليل الوضع غير الثابت في الجنوب، حيث تسود معادلة "لا حرب شاملة ولا سلام مستقر".
داخليًا، لم يكن العجز بهذا المعنى في انعقاد المؤسسات كما كان في مرحلة الفراغ الرئاسي، بل في حسم الخيارات. فملف حصرية السلاح، على سبيل المثال، دخل مسارًا تدريجيًا ملتبسًا، إذ طُرحت مقاربات وخيارات على أكثر من مستوى، ووُضعت خطط عملية، لكن التنفيذ بقي مؤجّلًا ومقيّدًا بتوازنات الداخل وحسابات الإقليم. كذلك، برز مبكرًا شبح الخلاف حول قانون الانتخاب وآلية اقتراع المغتربين، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول مصير انتخابات 2026.
العِبرة هنا واضحة: الدولة التي تعمل بلا قرارات سيادية حاسمة، تبقى دولة مُدارة لا دولة حاكمة، مهما انتظمت مؤسساتها. ولعلّ ذلك ينطبق خصوصًا على الجنوب اللبناني الذي كان عنوان العام بامتياز. فبين تهديدات متواصلة بتوسيع الحرب، وضغوط دولية لمنع الانفجار، عاش لبنان معادلة دقيقة، كانت نتيجتها المراوحة كخيار اضطراري، مع فتح بعض "النوافذ"، خصوصًا على مستوى التفاوض، وهو ما لا يبدو كافيًا لمنع الاستنزاف الذي يعيشه البلد.
تثبيت الانهيار بدل كسره
اقتصاديًا، لم يكن 2025 عامًا لانفجار مالي جديد، لكنه لم يكن أيضًا عامًا للتعافي، كما كان يأمل كثيرون مع تشكيل حكومة جديدة. باختصار، يمكن وصفه بسنة "تثبيت الانهيار"، وهو ما تعزّزه مجموعة من العوامل، بينها سعر الصرف الذي بقي شبه مستقر على امتداد العام، وكذلك التضخّم الذي كان مضبوطًا نسبيًا، فيما بدا أنّ الاقتصاد يعيش على التحويلات الخارجية، والمبادرات الفردية، وما تبقّى من دورة نقدية.
ومع أنّ الحكومة حاولت تحريك ملف الإصلاحات، من خلال مشاريع تتصل بالانتظام المالي والفجوة المصرفية، لكن هذه الخطوات بقيت محاصرة بنزاعات سياسية وبرلمانية، وبخوف عام من كلفة أي قرار جذري. وفي السياق نفسه، لم تُحسم مسألة توزيع الخسائر، وبقيت العلاقة مع صندوق النقد الدولي في منطقة المراوحة. وبدا أن دفعَ الإصلاحات بقي مشروطًا وخاضعًا لحسابات الخارج والداخل، فيما ظلّ ملف حصرية السلاح حاضرًا كعامل ضاغط في الخلفية.
في القضاء، بدا 2025 عامًا للحركة أكثر منه عامًا للنتائج، وقد تحرّكت فيه ملفات كبرى كانت مجمّدة لسنوات، على رأسها قضية انفجار مرفأ بيروت، وإن بقي الجمود على خطها طاغيًا، إلى جانب ملفات المخدرات، وصولًا إلى ملاحقات طاولت وزراء ومسؤولين سابقين. هذا الحراك أعاد بعض الثقة بدور القضاء، وأوحى بأن هناك محاولة جدّية لكسر خطوط حمراء تقليدية، ولو أنّها بقيت محكومة بسقوف سياسية وقانونية واضحة.
في المحصّلة، لم تكن 2025 سنة ضائعة بالكامل، لكنها كانت سنة التأجيل إن جاز القول. أُنجز فيها الاستحقاق الرئاسي، وانتظمت المؤسسات، وتجنّب لبنان حربًا كبرى، لكن كل ذلك حصل من دون معالجة جذور الأزمات. العِبرة الأوضح أنّ ترحيل الانفجار لا يلغي كلفته، بل ينقلها إلى مرحلة لاحقة بشروط أصعب. ومع دخول 2026، يعود السؤال نفسه بقوة أكبر: إلى متى يستطيع لبنان إدارة أزماته بدل حسمها؟












0 تعليق