عادل إمام في ذكرى ميلاده الـ 86.. حين صار الضحك موقفًا وطنيًا

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

امتلك عادل إمام قدرة خاصة على تحويل العمل الجماهيرى إلى مساحة عامة يرى فيها الجمهور أزماته اليومية، من البيروقراطية والفساد إلى التطرف والتحريض ومن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين إلى القضية الفلسطينية، ومن صورة مصر فى محيطها العربى إلى حضور الفنان المصرى فى العمل الإنسانى الدولى.

المواطن المصرى فى قلب الحكاية.. بدأ الدور الوطنى عند عادل إمام من اختياره المتكرر لشخصية المواطن العادي، الرجل الذى يقف أمام مؤسسة ضخمة، أو ورقة رسمية، أو سلطة متعسفة، أو خطاب متطرف، ثم يحاول أن ينتزع حقه فى الحياة والكرامة. فى فيلم «الإرهاب والكباب»، تدور الحكاية حول مواطن يذهب إلى مجمع التحرير لإنهاء إجراءات تخص نقل ابنه إلى مدرسة أخرى، فيصطدم بالتعقيدات الإدارية، وتتطور الأحداث داخل واحد من أشهر رموز البيروقراطية المصرية، هذه الحكاية منحت الجمهور صورة ساخرة ومريرة فى الوقت نفسه عن العلاقة اليومية بين المواطن والمؤسسة، وجعلت من الضحك مدخلًا مباشرًا لسؤال الكرامة والعدل والإنجاز.

وفى هذه المرحلة، تشكل تعاون بالغ الأهمية بين عادل إمام والكاتب وحيد حامد والمخرج شريف عرفة، هذا التعاون ظهر فى خمسة أفلام بدأت بـ«اللعب مع الكبار» عام 1991، ثم «الإرهاب والكباب» عام 1992، و«المنسى» عام 1993، و«طيور الظلام» عام 1995، ثم «النوم فى العسل»، أهمية هذا المثلث أنه نقل عادل إمام إلى مساحة سينما الفكرة، حيث يظل الضحك حاضرًا، بينما تتحرك خلفه قضايا السلطة، والفساد، والتطرف، والعجز الاجتماعى، والبحث عن صوت المواطن داخل دولة مزدحمة بالتفاصيل.

مواجهة التطرف بالفن.. يظهر الدور الوطنى لعادل إمام بوضوح فى موقفه الفنى من التطرف، فقد قدم فى «الإرهابى» معالجة درامية لشخص ينتمى إلى جماعة متشددة، ثم يدخل بيتًا مصريًا عاديًا، فيكتشف عبر الاحتكاك اليومى بالأسرة والحياة والناس حجم الهوة بين الخطاب المغلق والواقع الإنسانى، والفيلم تطرق إلى اغتيال المفكر فرج فودة  منخلال شخصية حملت اسم «فؤاد مسعود»، بما جعل العمل جزءًا من مواجهة فنية مباشرة مع موجة التطرف التى ضربت المجتمع المصرى فى التسعينيات.

 

وتكتسب هذه المواجهة قيمتها من طبيعة الجمهور الذى يخاطبه عادل إمام، فالزعيم فنان جماهيرى واسع الانتشار، يصل إلى البيوت والسينمات والمسرح والتليفزيون، ومن ثم فإن تقديمه لشخصيات وموضوعات حول التطرف منح القضية مساحة شعبية واسعة.

حرية الفن أمام القضاء.. يمتد الدور الوطنى لعادل إمام إلى دفاعه عن حرية الفن فى لحظة قضائية شديدة الحساسية، فقد وثق موقع منشورات قانونية حكم «براءة عادل إمام من تهمة ازدراء الأديان» فى الدعوى رقم 529 لسنة 2012، الصادر عن محاكم الجنح بتاريخ 26 أبريل 2012، وقد شملت القضية، وفق ما ورد فى تغطيات تلك الفترة، أعمالًا مثل «الإرهابى»، و«الإرهاب والكباب»، و«طيور الظلام»، و«حسن ومرقص»، وغيرها من الأعمال التى تعاملت مع الدين والسياسة والمجتمع من زاوية ساخرة وناقدة، وهنا يظهر الجانب الوطنى فى حماية حق الفن فى طرح الأسئلة، لأن حرية الفن جزء من قوة المجتمع وقدرته على النقاش ومراجعة الذات.

القضية الفلسطينية فى «السفارة فى العمارة».. فى فيلم «السفارة فى العمارة» عام 2005، دخل عادل إمام منطقة سياسية عربية بالغة الحساسية، وتكمن أهمية الفيلم فى أنه عالج العلاقة مع إسرائيل من داخل بيت مصرى، عبر رجل يجد نفسه يوميًا فى مواجهة رمزية سياسية ثقيلة، بهذا المعنى، قدم عادل إمام قضية عامة فى شكل حكاية شخصية، وهى طريقته الأثيرة فى تقريب القضايا الكبرى من الجمهور.

الوحدة الوطنية فى «حسن ومرقص».. فى «حسن ومرقص» عام 2008، انتقل عادل إمام إلى ملف الوحدة الوطنية، ففى الفيلم جسد عادل إمام جسد شخصية «بولس/ حسن العطار»، وشاركه عمر الشريف فى شخصية «مرقص عبد الشهيد/ محمود سيف الدين»، فى عمل يقوم على تبديل الهوية بين رجل مسلم ورجل مسيحى، بما يسمح بكشف مساحات التشابه الإنسانى بين الطرفين، وفضح آليات التعصب والخوف المتبادل.

العمل الإنسانى وسفير النوايا الحسنة.. اتخذ الدور الوطنى عند عادل إمام بعدًا إنسانيًا عربيًا ودوليًا عبر عمله سفيرًا للنوايا الحسنة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عام 2000، وعمل على دعم الوعى بقضايا اللاجئين.

عادل إمام وعمر الشريف ومشهد من فيلم حسن ومرقص
عادل إمام وعمر الشريف ومشهد من فيلم حسن ومرقص

 

وطنية الفن من داخل الشعبية.. تقوم وطنية عادل إمام على الشعبية الواسعة قبل الشعارات، فهو فنان عرف كيف يدخل إلى قضايا كبرى عبر شخصية قريبة من الناس، لا عبر خطاب مباشر، المواطن فى «الإرهاب والكباب»، والإنسان المهدد بالتطرف فى «الإرهابى»، والمحامى الانتهازى فى «طيور الظلام»، والعائد من الغربة فى «السفارة فى العمارة»، ورجل الدين المتخفى فى «حسن ومرقص»، كلها شخصيات تقدم صورة لمصر فى لحظات اختبار متعددة: الإدارة، الدين، السياسة، الوحدة الوطنية، والعلاقة مع الآخر.

وقد ساعده على ذلك تعاونه مع كتّاب كبار، وفى مقدمتهم وحيد حامد ولينين الرملى ويوسف معاطى، ومخرجين مثل شريف عرفة ونادر جلال ورامى إمام، هذه الشبكة الإبداعية جعلت أعماله جزءًا من الذاكرة العامة، ورفعت الكوميديا من مستوى الإفيه إلى مستوى الموقف، ومن هنا تأتى أهمية عادل إمام فى الملف الوطنى: فنان جعل الضحك وسيلة للوصول، ثم حمّل هذا الوصول قضايا تخص المصريين والعرب.

000
 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق