أخطر مسافة في الجنوب.. الطريق إلى المستشفى لم يعد كما كان!

منذ 56 دقيقة
كان مستشفى بنت جبيل الحكومي على بعد 1.1 كيلومتر من ساحة المدينة، أي ثلاث دقائق بالسيارة. هذه المسافة لم تعد تعني شيئاً اليوم. فالمستشفيان في المدينة، الحكومي ومستشفى الشهيد صلاح غندور، أقفلا أبوابهما، وتوقّفت معهما خدمات الولادة في مركز القضاء. ولم يعد السؤال لدى الحامل في بنت جبيل وقراها عن الطبيب الذي سيتابع ولادتها، بل عن الطريق التي ستسلكها، وعن الوقت الذي يفصلها عن أقرب غرفة ولادة.

خريطة الطريق الجديدة

وبحسب أرقام المسافات، من ساحة بنت جبيل وفي ظروف سير عادية، فإنّ أقرب مستشفى ما زال يعمل في المنطقة هو مستشفى تبنين الحكومي، على بعد 9.9 كيلومترات بمعدل 22 دقيقة. لكنه تضرّر بغارات إسرائيلية ثلاث مرات على الأقل منذ أيار، ويستقبل الجرحى والنازحين والمرضى من القضاء كله، بإمكانات وصفها وزير الصحة نفسه بالضئيلة.
من ناحية أخرى، إذا احتاجت امرأة حامل إلى مستشفى أكبر، تتضاعف المسافة. فإلى مستشفيات صور ترتفع المسافة إلى 31.2 كيلومتراً عبر طريق قانا، أي 56 دقيقة. وإلى مستشفى النبطية الحكومي 45.3 كيلومتراً عبر طريق النبطية – تبنين، أي ساعة و16 دقيقة. أما إذا اضطرت إلى الوصول حتى صيدا، فالرحلة 70.8 كيلومتراً وتستغرق ساعة و32 دقيقة.

هذه الأرقام محسوبة في يوم عادي. لكن الأيام في الجنوب ليست عادية. فوقف إطلاق النار قائم على الورق، بينما يتواصل القصف المدفعي والغارات على قرى القضاء. وفي النبطية نفسها استُهدف قبل أيام فريق إسعاف كان يتوجّه إلى موقع غارة سابقة. الطريق الأقصر على الخريطة ليس بالضرورة الطريق الأسلم، والسائق الذي يلتف حول منطقة خطرة يضيف دقائق لا تملكها امرأة في حالة نزيف أو ولادة مبكرة.

النبطية ليست بديلاً مضموناً

الاتجاه شمالاً نحو النبطية لم يعد يعني الوصول إلى مدينة آمنة على صعيد تقديم الخدمات الاستشفائية. في السادس من أيلول دمّرت غارة إسرائيلية مستشفى غندور في النبطية الفوقا، وكان قد توقّف عن العمل قبل نحو شهرين بسبب اشتداد القصف. وبحسب وزارة الصحة، تضرّر 17 مستشفى في لبنان منذ الثاني من آذار، وخرجت ثلاثة مستشفيات في الجنوب من الخدمة كلياً. وتفيد منظمات عن أن ستة مستشفيات تضرّرت خلال الحرب لم تستأنف خدمات التوليد بعد، وتكتفي بالطوارئ.

والنتيجة أن الضغط يتكدّس على عدد قليل من المستشفيات في صور والنبطية وصيدا، وهي نفسها تستقبل جرحى القصف يومياً.

كلفة الكيلومترات الإضافية

لم تعد الكلفة تقتصر على فاتورة المستشفى. صفيحة البنزين تلامس 32 دولاراً بعد الارتفاع الأخير. ورحلة الذهاب والإياب بين بنت جبيل وصور تتجاوز 60 كيلومتراً، وإلى النبطية تقارب 90 كيلومتراً، بعدما كانت بضعة كيلومترات. ومن لا يملك سيارة يدفع أجرة التاكسي، وهي ترتفع مع المسافة ومع الخطر.

ثم تأتي زيارات المتابعة قبل الولادة، والفحوص، وأحياناً الإقامة قرب المستشفى في الأيام الأخيرة من الحمل، وكلها مصاريف تتحمّلها عائلات نزحت وخسرت مصادر رزقها.

ما تكشفه رحلة المريض من بنت جبيل إلى أقرب غرفة في مستشفى ليس أزمة مسافات فحسب، بل صورة عن نظام صحي يتآكل في منطقة لا تزال تحت النار. فإعادة الخدمات إلى مركز القضاء، أو تأمين بدائل قريبة وآمنة، لا يمكن أن تنتظر نهاية الحرب. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى نحو 1500 امرأة حامل على سبيل المثال في الجنوب يواجهن أكثر لحظات حياتهن حساسية على طريق طويلة، لا يضمنّ أن توصلهن في الوقت المناسب.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق