Advertisement
فحين يختار رئيس الجمهورية أن يكون في النبطية، في هذه اللحظة بالذات، فهو لا يزور مدينة جنوبية فحسب، بل يذهب إلى قلب جبل عامل، إلى منطقة دفعت طوال عقود أثمانًا باهظة من الحروب والاحتلال والدمار، ويقول لأهلها، بالفعل قبل القول، إن الدولة موجودة هنا.
من هنا، فإن زيارة رئيس الجمهورية للنبطية يحمل بُعدًا سياسيًا واضحًا بمعنى أن الدولة لا تريد أن يكون الجنوب مجرد ملف أمني يُدار من خارج مؤسساتها، ولا أن يبقى أهله وحدهم في مواجهة نتائج الصراع.
ولأهل الجنوب، وتحديدًا للبيئة الشيعية، قد تكون هذه الرسالة أكثر أهمية من أي خطاب سياسي. فالمسألة لم تعد فقط: من يملك السلاح؟ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: من يحمي الناس؟
على مدى سنوات طويلة، ارتبطت حماية الجنوب في الوعي السياسي والشعبي بالسلاح غير الشرعي وبالدور العسكري لـ "حزب الله". لكن التجربة الأخيرة، بما حملته من حروب ودمار ونزوح وخسائر بشرية ومادية، تفرض إعادة طرح السؤال من زاوية مختلفة: هل تستطيع الدولة أن تتحمل مسؤولية حماية الجنوب إذا امتلكت القرار والإمكانات والقدرة على الانتشار؟
وفي هذا المجال تحديدًا تصبح زيارة عون ذات معنى. فالدولة التي تريد حصر قرار الحرب والسلم والمؤسسات العسكرية والأمنية، مطالبة في الوقت نفسه بأن تقدم للناس البديل الحقيقي: جيشًا حاضرًا، وأمنًا فاعلًا، ومؤسسات قادرة، ودبلوماسية تحمي الحقوق اللبنانية، وإعادة إعمار تعيد للناس حياتهم الطبيعية.
ولا يمكن أن تطلب الدولة من الجنوبي أن يتخلى عن أي منظومة حماية من دون أن يشعر بأن الدولة نفسها أصبحت قادرة على حمايته. وهذا هو التحدي الحقيقي.
فالجيش لا يستطيع أن يكون مجرد قوة تنتشر على الأرض، فيما الاعتداءات مستمرة فوقها. وحضور الدولة لا يكتمل بالحواجز والدوريات، بل يصبح ذا معنى عندما يشعر المواطن أن مؤسسات بلاده قادرة على الدفاع عنه، وأن القرار اللبناني بات موحدًا في مواجهة الخارج، وأن الجنوب ليس ورقة في مفاوضات إقليمية أو ساحة لتبادل الرسائل.
من هنا يمكن فهم حرص عون على الحضور شخصيًا في النبطية. فهو، سياسيًا، لا يوجه رسالة إلى أبناء المنطقة فقط، بل يوجهها أيضًا إلى إسرائيل وإلى المجتمع الدولي وإلى الداخل اللبناني.
إلى إسرائيل يقول إن الجنوب أرض لبنانية وإن الاعتداءات والاحتلال لا يمكن أن يتحولا إلى أمر واقع.









0 تعليق