بغض النظر عمّا يمكن أن تنتجه زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية من ترجمات حكومية، وما إذا كانت المشاريع التي أُعلن عنها ستتحول سريعاً إلى خطوات تنفيذية تعيد الحياة إلى منطقة أنهكتها الحرب والاعتداءات، فإن المشهد الذي أظهرته الزيارة كان في مكان آخر تماماً.
فما برز في النبطية لم يكن فقط حضور رئيس الحكومة وعدد من الوزراء والأجهزة الرسمية، ولا الإعلان عن مشاريع لإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، بل صورة مجتمع جنوبي يريد أن يرى الدولة حاضرة على أرضه، وأن يستعيد مؤسساتها ودورها بعد سنوات طويلة من اختلاط الأدوار وتعدد المرجعيات.
وكان لافتاً أن سلام بدأ جولته من سرية درك النبطية في كفرجوز، قبل أن ينتقل إلى البلدية ومراكز الأمن العام والدفاع المدني والسراي، في مشهد أرادت الحكومة من خلاله إظهار عودة مؤسسات الدولة إلى العمل في واحدة من أهم مدن الجنوب. وقد أكد وزير الداخلية أحمد الحجار أن تعزيز حضور الدولة والأجهزة الأمنية وانتشارها يشكل أساساً لترسيخ الأمن والاستقرار، فيما شدد على أولوية بسط سلطة الدولة عبر الجيش والقوى الأمنية حتى آخر ذرة من الأراضي الجنوبية.
لكن ما كان أكثر تعبيراً من البيانات الرسمية هو ما ظهر في الشارع نفسه. فخلال جولة رئيس الحكومة، عبّر أحد المواطنين أمامه عن مطلب واضح يتعلق بوصول الجيش إلى المنطقة، في مشهد يعكس أن المسألة بالنسبة إلى جزء من الجنوبيين لم تعد نقاشاً نظرياً حول شكل الدولة أو صلاحياتها، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمان وبإمكان استعادة الحياة الطبيعية. وهنا تحديداً تكمن دلالة زيارة النبطية.
فالجنوب الذي دفع ثمناً كبيراً في الحروب المتعاقبة لا يبحث فقط عن التعويضات وإعادة إعمار المنازل والمؤسسات، بل عن ضمانة أمنية قادرة على تثبيت الاستقرار ومنع تكرار دورة الحرب والتهجير والدمار. وهذه الضمانة، كما عكستها الرسائل التي رافقت زيارة سلام، مرتبطة في الوعي الرسمي والشعبي بمؤسسات الدولة، وفي مقدمها الجيش.
ولم يكن كلام سلام نفسه ملتبساً في هذا المجال. فقد قال من النبطية إن الضمانة الحقيقية تكمن في المضي بالتوازي في العمل على الانسحاب الإسرائيلي وإعادة بناء الدولة، مؤكداً أن الدولة التي يريدها هي دولة واحدة لكل أبنائها، "جيشها واحد، وقرارها واحد"، ولا سيما قرار الحرب والسلم.
وهذه المرة، لم يكن الكلام موجهاً إلى الخارج فقط. فالرسالة كانت موجهة أيضاً إلى الداخل الجنوبي الذي يريد أن يعرف ماذا تستطيع الدولة أن تفعل من أجله، ومتى يصبح حضورها فعلياً وليس رمزياً.
واللافت أن سلام نفسه بدا مدركاً لهذا السؤال عندما تحدث عن كثرة زيارات الوزراء إلى الجنوب، وعن تساؤل الناس حول ما إذا كانت هذه الزيارات ستنتج شيئاً ملموساً. ولذلك حرص في النبطية على ربط الزيارة بمتابعة عملية لإعادة الإعمار وتأمين التمويل، مع إقراره بأن حجم الأضرار والحاجات يفوق قدرة الدولة اللبنانية وحدها.
لكن بين التمويل والإعمار، هناك ملف أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى أبناء الجنوب، وهو: من يحمي المنطقة؟
فإعادة بناء مدرسة أو مركز دفاع مدني أو سرايا يمكن أن تعيد جزءاً من الحياة إلى مدينة متضررة، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة الثقة. هذه الثقة تحتاج إلى شعور بأن الدولة موجودة، وأن مؤسساتها الأمنية والعسكرية قادرة على حماية المواطنين، وأن قرار الحرب والسلم لا يبقى موزعاً بين أكثر من جهة.
ولذلك اكتسب حضور الجيش والأجهزة الأمنية خلال زيارة سلام أهمية تتجاوز البروتوكول. فالحكومة لم تذهب إلى النبطية لتقول فقط إن الدولة ستعيد إعمار ما تهدم، بل لتقول أيضاً إن الدولة تريد أن تكون هي الجهة التي تدير الأمن وتتحمل مسؤوليته.
وهذا ما يجعل الرسالة الجنوبية التي ظهرت خلال الزيارة أكثر أهمية من نتائج الزيارة نفسها في يومها الأول.
فالناس الذين عاشوا الحرب لا يريدون بالضرورة المزيد من الخطابات حول الانتصار أو الهزيمة، بقدر ما يريدون أن يعرفوا من يضمن بقاءهم في أرضهم، ومن يحمي بيوتهم، ومن يمنع أن تتحول بلداتهم مجدداً إلى خطوط تماس.
وقد يكون هذا هو التحول الأهم الذي ينبغي التوقف عنده. إن مطلب الدولة في الجنوب لا يبدو، في بعض مظاهره، مطلباً مفروضاً من بيروت على أبناء المنطقة، بل مطلب يمكن سماعه أيضاً من داخل المنطقة نفسها.
ومن هنا، فإن زيارة سلام إلى النبطية قد تكون أهم بما كشفته من ردود الفعل والمطالب، لا بما حملته من مراسم وإعلانات.
فالجنوب يريد إعادة الإعمار، نعم. ويريد وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي إلى قراهم، كما قال رئيس الحكومة. لكنه يريد أيضاً شيئاً لا يمكن لأي مشروع إعمار أن يعوض غيابه، وهو أن يشعر بأن الدولة عادت إليه، وأن الجيش الذي يمثلها قادر على أن يكون ضمانته الأمنية.
قد تكون الرسالة التي خرجت من النبطية أبسط وأكثر وضوحاً من كل الخطابات السياسية. فحين يطلب المواطن من الدولة أن تحضر، تصبح مهمة الدولة أن تثبت أنها قادرة على الحضور، وأن تقترن الأقوال بالأفعال، وألاّ تبقى الوعود مجرد وعود ظرفية، وأن تقترن القرارات الحكومية بما يمكّن مؤسسات الدولة من العودة إلى ناسها في الجنوب، الذي يحتاج إلى هذه العودة أكثر من أي منطقة أخرى في الوقت الراهن.
- الجزائر دولة تبحث عن الاستقرار والسلم.. وهذا ما جعل كثير من الدول العظمى تحترمنا
- مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء سيستفيد منه بالدرجة الأولى الإخوة في نيجيريا والنيجر
- رئيس الجمهورية.. “لا أحد بمقدوره محاسبتنا على اختيار شركائنا”
- الإمارات تهزم عمان وتتأهل لمواجهة السعودية في نهائي خليجي 27
- هذا ماقاله رئيس الجمهورية حول علاقة الجزائر مع النيجر ومالي















0 تعليق