من واشنطن إلى النبطية.. سلام يضع مقاربته أمام الجنوبيين

منذ 56 دقيقة

لم تكن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية اليوم مجرد جولة على مؤسسات أعيد تأهيلها أو مشاريع يجري التحضير لإطلاقها. فخلف البرنامج الرسمي، فرض سؤال أكثر إلحاحاً نفسه على الزيارة: ماذا تعني عودة مؤسسات الدولة إذا بقيت عودة الناس إلى بيوتهم محفوفة بالخطر؟

جاء المشهد الأكثر تعبيراً من النبطية الفوقا، ففي الوقت الذي كان فيه سلام يتنقل بين المحطات الرسمية، دخل عدد من أهالي البلدة إليها سيراً على الأقدام، قبل أن يطلب منهم الجيش الانسحاب بسبب الوضع الأمني. واختصر ذلك المسافة بين ما تستطيع الحكومة تقديمه حالياً وما ينتظره الجنوبيون منها: مؤسسات تعود إلى العمل، في مقابل مواطنين لا تزال عودتهم إلى منازلهم مرتبطة بتوافر الأمن والقدرة على البقاء.

بالنسبة إلى الأهالي، لا تكتمل عودة الدولة بفتح السرايا والمراكز الرسمية. المطلوب أن تقترن بأمان يسمح باستعادة المنازل والأعمال والحياة اليومية. وهو ما عبّر عنه عضو في بلدية النبطية الفوقا، مطالباً الدولة ببسط سيطرتها وتوفير الاطمئنان اللازم للعودة. وبذلك، حمل التحرك مطلباً واضحاً بوضع الحماية في صلب الحضور الرسمي، من دون معطيات تسمح بوصفه تحركاً سياسياً منظماً ضد زيارة سلام.

لكن الجولة حملت أيضاً خلفية سياسية تتجاوز برنامجها الخدمي، فقد جاءت بعد محادثات سلام في الولايات المتحدة، حيث تناول لقاؤه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بحسب ما نُشر عن بيان مكتبه، الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح ضمن مسارين متوازيين وجدول زمني واضح.

من هنا، اكتسبت النبطية أهمية إضافية، فسلام الذي عرض مقاربته في الخارج، عاد ليضعها أمام المعنيين مباشرة بنتائجها. وحين أكد أن موقفه واحد في الداخل والخارج، مع إقراره بوجود اختلاف في المقاربات، كان ينقل النقاش من الاجتماعات الدبلوماسية إلى أرض الجنوب.

الحديث أمام المسؤولين الدوليين يختلف عن مخاطبة من خسر منزله أو تعذرت عودته. لذلك، يمكن قراءة الزيارة كمحاولة لربط المسار السياسي الذي يتحرك فيه سلام خارجياً بحاجات الجنوبيين، من دون أن يعني ذلك وجود اتفاق غير معلن أو ضمانات أميركية مكتملة.

سلام نفسه أقر بارتفاع سقف التوقعات، عندما تحدث عن تساؤلات المواطنين بشأن نتائج الزيارات الرسمية والدبلوماسية المتكررة إلى الجنوب، ومن بينها زيارات رئيس الجمهورية جوزاف عون والسفير الأميركي ميشال عيسى. وأوضح أن زيارات عدة جرت بطلب منه وبمتابعته لتحديد ما يمكن إنجازه بالإمكانات المتاحة وما يحتاج إلى تمويل إضافي.

وهذا يفسر التركيز خلال الجولة على مؤسسات أعيد تأهيلها ومشاريع ومناقصات محددة. فالانتقال من الوعود العامة إلى ملفات يمكن تتبع تنفيذها يمنح الحكومة فرصة لتقديم نتائج ملموسة، لكنه يمنح الأهالي أيضاً معياراً أوضح لمساءلتها.

كما حملت تركيبة الوفد دلالة إضافية، مع وجود وزيري المال ياسين جابر والداخلية أحمد الحجار، ورئيس مجلس الجنوب ومسؤولي مجلس الإنماء والإعمار، بما جمع جهات معنية مباشرة بالملفات المالية والأمنية والإنمائية. وفي المقابل، رحب النائب هاني قبيسي بالزيارة، لكنه انتقد معاناة الأهالي من التهجير وغياب المداخيل ومستوى وقوف الدولة إلى جانبهم.

ويظهر هنا مجال للتعاون في الملفات الخدمية والإعمارية مع استمرار الاختلاف السياسي، من دون أن تشكل المشاركة في الجولة دليلاً على تفاهم سياسي جديد مع "أمل" و"حزب الله".
أما الرسالة الأخرى لسلام فتمثلت في رفض انتظار تسوية إقليمية كبرى لمعالجة الجنوب. فهو يدفع نحو التحرك الآن، واضعاً وقف الاعتداءات وإنهاء الاحتلال والتعافي ضمن الأولويات اللبنانية، فيما تبقى المنطقة مفتوحة على صراعات وتسويات غير محسومة.

وبعد جولته، انتقل سلام إلى بعبدا وأطلع الرئيس جوزاف عون على محادثاته الخارجية وزيارته الجنوبية، رابطاً بذلك بين الاتصالات الخارجية والميدان والمتابعة الرسمية.

في المحصلة، اختلفت هذه الجولة عن سابقاتها بوجود خطوات ومشاريع يمكن تتبعها ومساءلة الحكومة عن تنفيذها. لكن أهالي النبطية الفوقا أبقوا السؤال الأهم مفتوحاً بعد مغادرة الموكب: هل يستطيعون العودة إلى بيوتهم والبقاء فيها بأمان؟

هنا تحديداً سيُختبر معنى عودة الدولة إلى الجنوب: أن تعود المؤسسات، ولكن أن يتمكن الناس من العودة معها أيضاً.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق