حليف ترامب ينقلب عليه بحزب جديد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 09:47 م 8/25/2026 9:47:56 PM


تزايدت التكهنات حول طموح الإعلامي الأمريكي المحافظ، تاكر كارلسون، الرئاسي، بعدما انتقل من داعم للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى أبرز وجوه الجناح المنشق داخل حركة (ماجا).. إذ جمع تاكر شخصيات يمينية لبحث تأسيس حزب ثالث، ثم طرح رؤية سياسية من عشرة نقاط، تركز على رفض التدخلات الخارجية والنفوذ الإسرائيلي والهجرة وهيمنة النُخب.. وعلى رغم تأكيده أنه لا يعتزم الترشح لرئاسة الولايات المتحدة عام 2028، فإن تحركاته تكشف عن أنه بدأ يتصرف كصاحب مشروع سياسي، وتضعه في قلب تنافس مبكر على قاعدة (ماجا) واتجاهها في مرحلة ما بعد ترامب.
ويبدو أن ملامح التحول السياسي كارلسون في طريقها إلى الاكتمال.. فالمعلق الأمريكي الذي تحول تدريجيًا نحو اليمين، وألقى بثقله دعمًا لانتخاب دونالد ترامب مرتين، يخطط لقيادة مشروع سياسي جديد، ردًا على ما اعتبره (خيانة ترامب) للمبادئ الجوهرية التي شكلت حركة (ماجا)، بعد أن جمع كارلسون مستهل أغسطس الحالي، في منزله بولاية مين، عددًا من المنشقين عن حركة الرئيس الجمهوري، ثم طرح رؤية سياسية من عشرة نقاط لما ينبغي أن تكون عليه الولايات المتحدة، مما زاد التكهنات حول احتمال ترشحه للرئاسة الأمريكية القادمة.
تكشف خطوة كارلسون عن الانقسام المتزايد داخل حركة (ماجا)، التي انطلقت في 2016 ككتلة متماسكة بقيادة ترامب، قبل أن تنقسم إلى أجنحة مناهضة لسياساته.. وحتى يناير 2025، كانت (ماجا) مرادفًا إلى حد كبير لـ (الترامبية)، التي يرفع أنصارها شعار (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا)، ويشتركون في كراهية التدخلات الخارجية والتمرد على النخبة السياسية الجمهورية والديمقراطية، لكن قبضة الرئيس الجمهوري على (ماجا) أخذت في التآكل منذ ولايته الثانية، نتيجة الحرب على إيران والتقاعس عن الإفراج عن ملفات إبستين، القضية الشهيرة المتورط فيها شخصيات عالمية وأمريكية كبيرة..
منذ أشهر يشن كارلسون حملة شرسة على ترامب، بسبب ما يُعده انقلابًا على مبادئ (ماجا) القائمة على رفض التدخلات الخارجية والشفافية الحكومية.. وقد أسهم انقلاب كارلسون وغيره على ترامب، في تحول (ماجا) من حركة صوت واحد، إلى كتلة تضم أصواتًا وأجنحة متباينة، بين انعزاليين ضد التدخلات الخارجية، مع اضطلاع الولايات المتحدة بأدوار دولية نشطة.. ولم يقتصر انحراف الحركة عن المسار الذي يشتهيه ترامب على خلافات السياسة الخارجية، بل امتد إلى الرؤية العامة للدولة ودورها وحدود سلطتها.
وفي قلب هذا الانقسام، سعى كارلسون إلى استغلال المنشقين عن حركة ترامب، الذين يعتقدون بأنه خان مبدأ (أمريكا أولًا)، لبناء مشروع سياسي مُنظم، وطُرحت هذه الفكرة خلال الاجتماع الذي استضافه المعلق المحافظ في منزله، بحضور النائب توماس ماسي، والنائبة السابقة مارجوري تايلور جرين، والمسئول السابق في مجلس الأمن القومي، جو كينت، الذي استقال احتجاجًا على حرب إيران.. وقد تكهن البعض وقتها، أن اللقاء يشكل نقطة انطلاق لتأسيس حزب ثالث، أو إطلاق حملة رئاسية، تركز على إنهاء دخول الولايات المتحدة في النزاعات الخارجية، وفق ما ذكرته مجلة (بوليتيكو).
كتبت مارجوري تايلور جرين عن الاجتماع (قلنا لا نريد مزيدًا من الحروب الخارجية، وكنا نعني ذلك، ودعمنا دونالد ترامب لأنه قطع هذا الوعد، لكنه خاننا جميعًا). وأرفقت ما كتبت بصورة للمشاركين في الاجتماع، قائلة، (لقد بدأت الحركة).. في حين قال جو كينت خلال مقابلة مع برنامج (ذا يونج توركس)، (لا يزال هناك كثير من العمل التنظيمي والتفصيلي الذي يتعين إنجازه.. الترشح عن حزب ثالث أمر صعب، وليس مستحيلًا، لكنه صعب للغاية)، موضحًا، أن المشاركين توصلوا إلى توافق مفاده، بأن (النظام الحالي ببساطة مُتعثر، ويجب إيجاد بديل لإنقاذ بلدنا).. وقتها، لم يكن واضحًا بعد، من سيتولى قيادة الحركة الناشئة، ولا ما إذا كانت ستصبح حزبًا سياسيًا، أو حملة رئاسية مستقلة، أو جماعة ضغط تعمل على تغيير الحزب الجمهوري من داخله.. لكن كينت كشف عن أن جميع المشاركين حضوا كارلسون على الترشح للرئاسة عام 2028، لكنه أبلغهم بأنه لا يرغب في ذلك، لكن كينت قال، (نأمل أن يستيقظ تاكر ذات يوم ويقول إنه سيترشح).
وكانت المفاجأة مؤخرًا، أن أعلن تاكر كارلسون عزمه المساعدة في تأسيس حزب سياسي ثالث، بعد قراره مغادرة الحزب الجمهوري، على إثر خلافه مع الرئيس دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران، مؤكدًا في الوقت نفسه، أنه لا يعتزم خوض العمل السياسي أو منافسة ترامب على السلطة.. وذكرت صحيفة (نيويورك تايمز)، أن كارلسون، الذي كان يعد أحد أبرز حلفاء ترامب الإعلاميين خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، قال في مقابلة مع (كولومبيا جورنالزم ريفيو)، إنه (سيكرس جهوده للمساهمة في بناء حزب جديد)، معتبرًا أن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى (محاولة صادقة لمعرفة ما يفيد البلاد).
وتأتي تصريحات كارلسون، في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الأمريكية اضطرابات داخل الحزبين الكبيرين، إذ يواجه الحزب الجمهوري انقسامات بسبب إدارة ترامب للحرب على إيران، بينما يشهد الحزب الديمقراطي صعودًا للجناح التقدمي، وسط خلافات متزايدة بشأن الموقف من إسرائيل وحربها على قطاع غزة.. ورغم أن إنشاء حزب ثالث في الولايات المتحدة يواجه تاريخيًا تحديات كبيرة، بسبب طبيعة النظام الانتخابي وهيمنة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإن كارلسون يرى أن الناخبين باتوا يفتقرون إلى بديل سياسي حقيقي، معتبرًا أن الحزبين لا يقدمان اختلافًا جوهريًا في قضايا، مثل الحروب والسياسات المالية.. وقال، إن الوضع الحالي يجعل البلاد تبدو وكأنها (دولة الحزب الواحد التي تتظاهر بأنها ديمقراطية)، مُضيفًا أن هذا الواقع (يجب أن يتغير)، وأنه سيبذل كل ما في وسعه لتحقيق ذلك، وفقًا لما نقلته (نيويورك تايمز).
وفي معرض حديثه عن التوجهات التي قد يقوم عليها الحزب الجديد، أشار كارلسون، إلى أنه يؤيد وقف الهجرة بالكامل، معتبرًا أن الهجرة تؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، وهو طرح يتعارض مع آراء كثير من الاقتصاديين، الذين لا يرون وجود علاقة مباشرة بين الأمرين، (أنا لست سياسيًا، ولست منافسًا لترامب على السلطة، وليس لدي سلطة أصلًا)، موضحًا أن علاقته بالرئيس تمتد لسنوات طويلة، لكنه لم يتحدث إليه منذ اندلاع الحرب على إيران، (لست مهتمًا بالحديث معه).. وشدد كارلسون على أن مشروعه السياسي لا يستهدف منافسة ترامب أو الحلول مكانه، نافيًا التكهنات التي راجت في الأشهر الأخيرة، بشأن احتمال ترشحه للرئاسة بعد تصاعد انتقاداته للرئيس.
وبحسب (نيويورك تايمز)، فإن القطيعة بين الرجلين جاءت بعدما اعتبر كارلسون، أن دخول الولايات المتحدة الحرب على إيران، يمثل خروجًا على أحد أهم وعود ترامب الانتخابية، والمتمثل في تجنب الانخراط في حروب خارجية، وهو ما دفعه إلى إعلان مغادرة الحزب الجمهوري، بعد أكثر من ثلاثة عقود، قال إنه ظل خلالها مدافعًا عنه.. وترى الصحيفة، أن إعلان كارلسون الجمع بين الدعوة إلى تأسيس حزب ثالث والتأكيد على عدم منافسة ترامب، يعكس محاولة للفصل بين معارضته لسياسات الرئيس ورغبته في إعادة تشكيل التيار المحافظ، دون السعي إلى زعامة شخصية أو خوض مواجهة مباشرة مع ترامب، الذي كان يوما أقرب حلفائه.
***
كان كارلسون قد كشف عن رؤية من عشر نقاط، لما يجب أن تكون عليه الولايات المتحدة، مؤكدًا أن أي نظام سياسي جديد يجب أن يبدأ بتحديد ما ينبغي أن تكون عليه أمريكا.. وفي كلمة مصورة مدتها ساعة وثمانية وثلاثين دقيقة، نشرها عبر حسابه على موقع X، أوضح، إن النظام السياسي الأمريكي وصل إلى حالة من الشلل والاستنزاف، بسبب هيمنة المصالح الخاصة، مؤكدًا أن التغيير قادم.. فالمشكلة الأساسية التي تواجه الولايات المتحدة، لا تتمثل فقط في الأزمات السياسية أو الاقتصادية، بل في فقدان النظام لوظيفته الأساسية المتمثلة في حماية مصالح المواطنين وخدمة الصالح العام.. لأن وظيفة أي نظام سياسي، يجب أن تكون الدفاع عن مصالح الشعب الذي يحكمه، تمامًا كما تتمثل وظيفة رجل الدين في رعاية الجوانب الروحية لأتباعه.. لذلك، فإن السلطة تفقد شرعيتها، عندما تتحول إلى أداة لخدمة أصحاب، النفوذ بدلًا من خدمة المجتمع.
وقال إن كثيرًا من المؤسسات الأمريكية أصبحت تعمل لمصلحة القائمين عليها، أكثر مما تعمل لمصلحة المواطنين، وأن النخب السياسية والاقتصادية باتت تفرض قواعد على الآخرين لا تلتزم بها دائمًا، وهو ما أدى إلى اتساع حالة الغضب وفقدان الثقة.. لذلك، فهو يرى، أن المشكلة لم تعد مجرد فساد أفراد، بل أصبحت أزمة أعمق، تتمثل في عجز النظام عن التعامل مع التحولات الكبرى التي تواجه العالم، مُحذرًا من أن الأنظمة لا تنهار فقط بسبب خصومها الخارجيين، وإنما عندما تفقد قدرتها على التجدد والاستجابة للواقع.
ورأى المذيع السابق في قناة (فوكس نيوز)، أن الحرب النووية والذكاء الاصطناعي يمثلان أخطر تحديين يواجهان البشرية في العصر الحالي، مُنتقدًا ما وصفه بعدم استعداد المؤسسات السياسية للتعامل مع حجم المخاطر المقبلة.. وأن استمرار النزاعات الكبرى، خصوصًا في أوكرانيا والشرق الأوسط، في ظل امتلاك بعض الأطراف أسلحة نووية، واعتقادها بأن هذه الصراعات تمس وجودها، يجعل خطر التصعيد أكثر خطورة.. المشكلة ليست فقط في وجود الأسلحة النووية، وإنما في احتمال وجود قادة، قد يفشلون في إدارة أزمات تحمل تداعيات كارثية، مُعتبرًا أن السماح بانزلاق العالم نحو مواجهة نووية، سيكون دليلًا على فشل القيادة السياسية.. وقال كارلسون، إن البشرية تواجه تكنولوجيا قد تُغير شكل الاقتصاد والعمل والحياة اليومية، وقد حذَّر بعض مطوري هذه التقنيات أنفسهم من تداعياتها المستقبلية.. الخطأ يكمن في محاولة التركيز على توقع (الوظيفة المقبلة) أو (التكنولوجيا المقبلة)، بدلًا من بناء الإنسان القادر على التكيف مع أي مستقبل.
وانتقد كارلسون ما وصفه بفشل النظام التعليمي الأمريكي في التركيز على بناء الإنسان، معتبرًا أن التعليم تحول إلى قضية تمويل وإدارة، بدلًا من أن يكون عملية تهدف إلى تحويل الطفل إلى شخص بالغ قادر على التفكير واتخاذ قرارات سليمة.. إن تجربة الاعتماد الكبير على أجهزة (الآيباد) في التعليم، أثبتت أن الأطفال الذين قضوا وقتًا طويلًا أمام الشاشات، أصبحوا أقل معرفة من أولئك الذين اعتمدوا على القراءة، منتقدًا عدم اعتذار الجهات التي روجت لهذه التجارب.. إن ذلك يشبه موجات إصلاح تعليمي سابقة، مثل (الرياضيات الحديثة)، التي قُدِمت باعتبارها حلولًا ثورية، لكنها لم تحقق النتائج الموعودة، على حد قوله.. ودعا إلى العودة إلى تعليم (الحكمة)، بدلًا من التركيز فقط على مهارات مؤقتة مثل البرمجة، فالأطفال يجب أن يتعلموا الأشياء التي لا تتغير، وعلى رأسها طبيعة الإنسان، خصوصًا وأن البشر لم يتغيروا كثيرًا عبر آلاف السنين، وإن فهم التاريخ والقوانين القديمة، يساعد الأطفال على فهم السلوك الإنساني واتخاذ قرارات أفضل.
وذكر كارلسون إن جزءًا من أزمة التعليم يعود إلى ما وصفه باعتقاد خاطئ بأن الإنسان يولد بلا طبيعة محددة، وأن شخصيته تتشكل بالكامل بواسطة المجتمع والبيئة.. يجب أن يتعلم الأطفال، أن هناك حقائق مرتبطة بالطبيعة البشرية لا يمكن تجاهلها، لأن مواجهة الواقع وفهمه يمثلان أساس الحكمة، (إذا أمضيت حياتك في حرب مع الواقع والطبيعة فلن تنتصر، لأن الأمر ليس خاضعًا لرغبتك).
تحدث كارلسون عن مفهوم (التحضر الأخلاقي)، قائلًا إن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية، وإنما بمدى احترامها للإنسان.. وانتقد قتل المدنيين خلال الحروب، مؤكدًا أن استهداف الأبرياء الذين لم يرتكبوا جرائم أو يشكلوا تهديدًا يتعارض مع مفهوم العدالة.. إن معيار الأخلاق يجب أن يكون ثابتًا، بغض النظر عن هوية الطرف الذي يرتكب الانتهاكات، وأن الدولة التي تفقد هذا المبدأ تفقد جزءًا من احترامها لذاتها.. إن أي مجتمع يحتاج إلى الشعور بأن القواعد تطبق على الجميع دون استثناء، وأن غياب المساواة في المعاملة، يؤدي إلى الانقسام وفقدان الثقة.. فالغضب الشعبي في قضايا مثل قضية جيفري إبستين، لم يكن مرتبطًا فقط بالجرائم نفسها، بل أيضًا بالشعور بأن بعض الأشخاص يحصلون على معاملة خاصة بسبب المال أو العلاقات.
وفي الجانب الاقتصادي، انتقد كارلسون النظام الضريبي الأمريكي، معتبرًا أن فرض ضرائب أعلى على أصحاب الدخول الناتجة عن العمل مقارنة ببعض أنواع الاستثمار، يبعث رسالة خاطئة حول قيمة العمل والإنتاج.. والاعتماد المفرط على الديون يمثل تهديدًا لاستقلال الفرد، لأن الشخص الذي يعيش تحت عبء ديون كبيرة، يفقد جزءًا من قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة.. المجتمع القوي لا يقوم فقط على الاستهلاك، بل على الإنتاج الحقيقي، تُقاس الأمم بما تنتجه من صناعات ومنتجات وأعمال ذات قيمة.. وانتقد اعتماد الاقتصاد الأمريكي على قطاعات، مثل المضاربات المالية والعقارات وصناعات الأسلحة والمراقبة، مُعتبرًا أن المجتمعات تحتاج إلى استعادة علاقتها بالإنتاج والصناعة.
وبشأن الهوية الأمريكية، قال إن التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة، هو فقدان الشعور بالهوية المشتركة.. فأي دولة لا يمكن أن تستمر دون إحساس مواطنيها بأنهم ينتمون إلى مشروع واحد.. الولايات المتحدة لا تجمعها أغلبية عرقية أو دينية واحدة، ولذلك تحتاج إلى عناصر مشتركة مثل الثقافة واللغة والقيم.. مُشيرًا إلى أهمية إعادة تقييم السياسات الحالية وفي ملف الهجرة، لأن سرعة التغير الديموجرافي، قد تؤثر في تماسك المجتمع، خصوصًا مع التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.. وشدد على أن الدعوة إلى تنظيم الهجرة، من وجهة نظره، لا ترتبط بالعرق، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي.
واعتبر كارلسون أن اللغة تُمثّل أحد أهم عناصر بناء الهوية الوطنية، فوجود لغة مشتركة يساعد على توحيد المجتمعات المختلفة.. ودعا إلى تعزيز تعليم اللغة الإنجليزية، باعتبارها ليست مجرد وسيلة تواصل، بل جزء من الثقافة المشتركة التي تربط المواطنين ببعضهم.. وأكد أن الولايات المتحدة تحتاج إلى إعادة اكتشاف الأسس التي تجعل المجتمع جديرًا بالدفاع عنه، وأن هذه الأسس تتمثل في العمل المنتج، والأسرة، والجمال، والصدق، والاستقلال، والشعور بالانتماء.. ويرى كارلسون، إن الاقتصاد والثروة والقوة العسكرية عوامل قابلة للتغير، لكن ما يبقى هو قدرة المجتمع على الحفاظ على المعنى والقيم التي تجمع أفراده.. وأن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان النظام الأمريكي سيتغير، وإنما طبيعة النظام الذي سيأتي بعده، وما إذا كان سيكون أكثر قدرة على خدمة المواطنين وحماية مصالحهم.
***
لقد اعتاد كارلسون، في عدد من حلقات البودكاست التي يديرها، أن يحرك الكثير من المياه، مع إثارته بشكل متكرر، النقاش بشأن العلاقة بين المسيحية الأمريكية وإسرائيل، في طرح يتقاطع فيه الديني بالسياسي، ويكشف عن سياسة (تبعية) للإدارة الأمريكية مع الرئيس دونالد ترامب، وانقسام متصاعد داخل معسكر حركة (ماجا) اليميني القومي.. إذ يظهر كارلسون مدافعًا عن القيم المسيحية التقليدية في الغرب، لكنه يرفض في الوقت نفسه توظيف الدين بشكل مباشر، لتبرير السياسات الأمريكية والتدخلات العسكرية لبلاده في الخارج، ويعارض هيمنة (اللوبيات) السياسية والدينية داخل دوائر صنع القرار.
ولا يخلو خطاب كارلسون من الانتقاد المباشر، للتحالف الوثيق وغير المشروط بين واشنطن وتل أبيب، وهو تحالف بلغ ذروته ـ في تقديره ـ مع (الصمت الأمريكي) تجاه الحملات العسكرية المتتالية لإسرائيل في الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب على غزة والتحرش العسكري المستمر بلبنان، ومن ثم الدفع نحو المقامرة بحرب خطيرة ومستنزفة في المنطقة ضد إيران.. بالنسبة لكارلسون، فإن دعم الإدارة الأمريكية لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يتجاوز مجرد التعاون و(الشراكة الإستراتيجية) بين حليفين، إلى ما يصفه خصومه بتبعية مطلقة و(عبودية)، تنتفي فيها أي قرارات مُعارضة أو منتقدة للسياسات الإسرائيلية.
وينطلق كارلسون في هذا التقييم من اقتناعين على الأقل، هما: أن قرار الحرب على إيران كان قرارًا إسرائيليًا خاضعًا لشبكات نفوذ في واشنطن وليس قرارًا أمريكيًا، وأن اتفاق وقف إطلاق النار ومن ثَم التلاعب بالولايات المتحدة، هما قراران إسرائيليان أيضًا.. لكن خلف هذه التبعية لا يستثني كارلسون الدور الذي يؤديه حزام (الصهيونية المسيحية) والدائرة الضيقة، المكونة من مزيج من رجال الأعمال واللوبي المؤثر في قطاع الإعلام، على قرارات البيت الأبيض و(عقل ترامب)، وأبرزهم شون هانيتي المذيع في (فوكس نيوز) ومالك القناة روبرت مردوخ والمليارديرة ميريام أديلسون، من كبار المتبرعين لحملة ترامب الانتخابية، إلى جانب المذيع مارك ليفين، الذي حث على ضرب إيران بالسلاح النووي.. وبينما يُفترض ـ في هذه الزاوية ـ أن تكون سياسة الرئيس الأمريكي، قائمة على حماية مصالح الاقتصاد الأمريكي والأمريكيين والناخبين، فإنه ـ وفق تقدير كارلسون ـ يعطي الأولوية لبلد لا يملك موارد طبيعية، ويعتمد بالكامل على الدعم الأمريكي، في شن حروب طويلة واستنزاف مقدّرات الاقتصاد الأمريكي.
في نظر المتابعين، لا يعكس خطاب كارلسون مجرد انتقاد لسياسات الرئيس الأمريكي، بقدر ما يعكس انقسامًا بدأ يخرج إلى العلن بين أجنحة تحالف (ماجا) اليميني القومي، الذي يقوم في الأصل على أهداف تتعارض مع السياسات الحالية لإدارة الرئيس ترامب، من بينها أساسًا: التركيز على (أمريكا أولًا) والهوية الوطنية.. رفض الحروب الطويلة في الخارج.. التشكيك في تمويل الحروب والحلفاء بشكل غير مشروط.. الدعوة إلى سياسة أكثر انعزالية أو (براجماتية).. وأبعد من الاتهامات المبطنة بالخيانة لخطوط (ماجا)، فإن توقعات الخبراء تشير إلى تداعيات انتخابية محتملة لهذا الانقسام، قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ليس فيما يرتبط بالترشيحات فحسب، ولكن أيضًا بشأن (الخطاب الانتخابي) نفسه، مع توسع دائرة التشكيك تجاه الدعم غير المشروط لإسرائيل.
لكن بموازاة ذلك، يُنظر أيضًا إلى النقاشات التي يُثيرها كارلسون، على أنها انعكاس لانقسام آخر داخل قاعدة دينية مؤثرة.. فقد تحدثت مثلًا وكالة أنباء أمريكية متخصصة في نشر الأخبار المرتبطة بالدين، عن وجود فجوة متزايدة داخل المسيحية الإنجيلية الأمريكية بشأن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.. وفي حلقاته، يركز كارلسون بوضوح، على توسع نفوذ الصهيونية المسيحية، والتسويق لأسس دينية خلف الدعم المطلق لإسرائيل، رغم الانتقادات التي صدرت عن لاهوتيين، بربط الدين بأجندات سياسية موجهة.
وفي الواقع، لا يركز كارلسون في خطابه على النقاش بشأن التلاعب بـ (شرعية دينية) لخدمة مصالح إسرائيل، ولكنه يضع في الوقت نفسه اضطهاد المسيحيين في دائرة الضوء، باعتباره زاوية مهملة في الإعلام الغربي، عبر استضافته شخصيات مسيحية من أصول فلسطينية وإثارة النقاش بشأن تراجع أعداد المسيحيين في فلسطين مثل بيت لحم، والأوضاع الاجتماعية والسياسية التي يعيشونها، وحوادث تستهدف الكنائس ورجال الدين وحظر أنشطة التبشير المسيحي.. وفي بعض المقاطع، يذهب كارلسون إلى التلميح المباشر، بانتهاج إسرائيل سياسة أوسع من العنف ضد المسيحيين، أو على الأقل لا توفر لهم الحماية الكاملة، دون أن يغفل عن توجيه انتقاد حاد إزاء ما يسميه (الصمت الأمريكي) عن قتل مسيحيين في غزة، بل ويطرح أيضًا فكرة اندثار الوجود المسيحي مع السياسة الإسرائيلية الحالية.
وفي العموم، يقوم جوهر خطاب كارلسون في هذا السياق، على تحفظات رئيسية في توظيف مرجعية دينية لرسم العلاقة مع إسرائيل، من بينها، ضرورة الفصل بين المسيحية بوصفها دينًا أخلاقيًا يدعو إلى السلام، واستخدامها أداة لتبرير سياسات خارجية.. ربط الإيمان المسيحي بدولة أخرى، هو تبسيط مخل ينطوي على تبرير للعنف والإبادة ومعاناة الشعوب.. وفي هذا الخطاب، لا يقتصر كارلسون على إثارة الشكوك، بل إنه يضع أيضًا على المحك، الاعتقاد الشائع والمفتعل للإنجيليين، بالترابط المصلحي بين المسيحية الإنجيلية وإسرائيل، وتقديم إسرائيل بوصفها دولة حامية للأماكن المقدسة، في حين يشير الواقع إلى عكس ذلك.. والسبب في ذلك ـ وفق تحليلات كارلسون ـ هو توسع تيار معادٍ للمسيحية داخل إسرائيل، يقوم على التضييق على رجال الدين المسيحيين، ويصل إلى الاعتداء عليهم بالضرب من تيارات يهودية متشددة، في حوادث وثقتها منظمات كنسية حقوقية، بجانب توترات متكررة في القدس بين متدينين يهود ومسيحيين.
وخلف ذلك كله، يستحضر كارلسون الأسلوب الساخر للرئيس ترامب نفسه، في تجسيده شخصية المسيح عبر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يتعارض في تقديره، مع حقيقة أن المسيح خط أحمر للمسيحيين في الولايات المتحدة والعالم.. وفي المحصلة، لا يقتصر خطاب كارلسون على نقد السياسة الخارجية الأمريكية، بل يعيد فتح نقاش أوسع بشأن العلاقة بين الدين والسياسة في الغرب، وحدود توظيف العقيدة وصناعتها في تبرير المواقف والسياسات الدولية، في وقت يشهد فيه التيار المحافظ الأمريكي انقسامات داخلية متزايدة.
***
يُعد كارلسون، المولود في عام 1969 في سان فرانسيسكو، أحد أبرز الأصوات المؤثرة في الإعلام المحافظ بالولايات المتحدة الأمريكية.. والده ريتشارد وارنر كارلسون، مدير تنفيذي في مجال الإعلام، ووالدته الفنانة ليزا ماكنير لومباردي.. التحق بالمدرسة الثانوية في مدرسة سانت جورج، وهي مدرسة داخلية خاصة، وهناك التقى كارلسون مع زوجته المستقبلية، سوزان أندروز، زميلته في الدراسة وابنة مدير المدرسة.. وتخرج من (كلية ترينيتي) في هارتفورد، كونيتيكت، حاصلًا على شهادة في التاريخ عام 1991.
بعد تخرجه من الجامعة، سعى كارلسون للانضمام إلى وكالة الاستخبارات المركزية CIA، لكن طلبه رُفض، وبناء على نصيحة والده، الصحفي الذي كان مديرًا سابقا لإذاعة صوت أمريكا، اتجه كارلسون إلى الصحافة، فظهر لأول مرة على شاشة التلفزيون عام 1995، عندما أجرى مذيع أخبار في شبكة CBS مقابلة معه حول محاكمة أو جيه سيمبسون.. ثم ظهر بعد ذلك بانتظام، كمعلق محافظ في العديد من البرامج الإخبارية والسياسية.. وفي عام 2000، أصبح المضيف المشارك لبرنامج جديد على شبكة CNN، والذي سرعان ما تم إلغاؤه بسبب انخفاض التقييمات، وتنقل بعد ذلك بين عدة محطات وبرامج، إلى أن انضم إلى قناة (فوكس نيوز) المحافظة والمؤيدة دون تردد لليمين الأمريكي.
برز كارلسون على الساحة الوطنية، حيث اشتهر ببرنامجه السياسي الحواري Tucker Carlson Tonight، على قناة (فوكس نيوز)، الذي حظي بمتابعة واسعة حتى مغادرته الشبكة عام 2023.. وأثناء عمله في هذه الشبكة، أدخل بقوة نظريات اليمين المتطرف إلى المجال السياسي والإعلامي العام.. فمن (نظرية الاستبدال الديموجرافي) إلى (كوفيد-19 مؤامرة وليس وباء)، مرورًا بالترويج لوجود أسلحة بيولوجية تطورها أمريكا في أوكرانيا، حتى مؤامرة تزوير الانتخابات الأمريكية 2020 لصالح جو بايدن، ووظف كارلسون شهرته الواسعة للتأكيد على تلك النظريات بشكل يومي.. وبعد مغادرته المفاجئة لـ (فوكس نيوز)، أسس منصته الخاصة على X، مُطلقًا برنامجه المستقل The Tucker Carlson Show، الذي حظي بمكانة جماهيرية لافتة، فكان الأكثر شعبية في قوائم نهاية العام 2024 على Apple Podcasts.
اتخذ كارلسون موقفًا نقديًا من تفجيرات مركز التجارة العالمي، وأصبح من أشد المدافعين عن السيناريو البديل، الذي يشير بوضوح إلى تورط وتقصير وإهمال ومؤامرة، تمت من قِبل المؤسسات الأمريكية المسئولة.. وأصبح كارلسون، الذي كان يسخر من المشككين ويطالبهم بإثبات شكوكهم، يرى أن على الحكومة الأمريكية تفسير الثغرات التي تحيط بالهجمات.. وفي ظهوره مع المذيع البريطاني، بيرس مورجان، وصف السلسلة الوثائقية التي أطلقها حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بأنها (واجب أخلاقي).
عرّضه تصريحه الأخير حول دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلى عاصفة من الجدل في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بعدما شن هجومًا غير مسبوق على ممارسات جيش الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث قال كارلسون في برنامجه السياسي على منصة X، (لا يوجد شيء اسمه شعب الله المختار.. هذه هرطقة، إن الله لا يختار شعبًا يقتل النساء والأطفال)، وأضاف متسائلًا (كل ما تقوم به إسرائيل هو ضد الإنجيل وضد تعاليم يسوع، فكيف نوافق على شيء كهذا؟).. وذهب بعيدًا، بدعوته إلى سحب الجنسية من المواطنين الأمريكيين، الذين يتطوعون في الجيش الإسرائيلي وفي أي مكان آخر، وجاءت تصريحاته هذه في قمة (طلاب من أجل التغيير)، التي استضافتها منظمة (نقطة التحول في أمريكا) لمؤسسها اليميني، تشارلي كيرك، الذي قُتِل مؤخرًا.. وتابع، (لكن من المضحك، هو كيف جرى تخويفنا جميعًا لنقول إن هذا خطاب كراهية، وهو ليس كذلك)، كما استنكر رفع أعلام أجنبية في مكاتب الكونجرس، والسماح بالخدمة في الحكومة لمزدوجي الجنسية، واصفًا الأمر بـ (المزاح)، مُشخصًا ما يحدث في الولايات المتحدة، بأنه (غسيل أدمغة لإرهاب الجميع)، وانتقد الساسة الأمريكيين لدعمهم الاحتلال، واصفًا العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها (سامة).. كانت صدمة هذه التصريحات مزدوجة.. فهي تناولت موضوعًا يُعتبر من المحرمات في الغرب وأمريكا، وكانت مفاجأة، نظرًا لمواقف كارلسون السابقة، الذي عُرف بانحيازه الواضح لإسرائيل وتبنيه خطابًا معاديًا للمسلمين والمهاجرين، قبل أن ينقلب فجأة على النقيض من ذلك تمامًا.. وبشكل خاص، موقفه من الرئيس ترامب، فهو كان من أبرز مؤيدي (الترامبية).
وفي تجربته الحالية، بدا وكأن كارلسون قد خرج من عباءة الإعلام التقليدي المحافظ، ليتحول إلى مواقف مناقضة لها تمامًا.. وعلى الجبهة الأخرى من الحرب، مواقف غير مسبوقة ضد السردية الإسرائيلية، مستفيدًا من أدوات الخطاب الإعلامي الرقمية.. وكما يًقال، (نقل البندقية من الكتف اليمين إلى اليسار)، مُحافظًا على خط جدلي، مثيرًا للنقاش حول أمريكا وهويتها، وحالة الاستقطاب والانقسام الخطير الذي تشهده مع صعود (الترامبية)، وتكشف سيطرة اللوبي الإسرائيلي على جميع مفاصل الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية.
***
■■ وبعد..
يقول كارلسون، إن الولايات المتحدة تشهد تراجعًا في مكانتها الدولية، وقد أخفق ترامب في تحقيق السلام، (القائد القوي يُعيد السلام، لكنه لم يتمكن من ذلك، ولذلك أراه ضعيفًا، ولست متأكدًا من مدى تأثيره في مستقبلنا).. ويرى أن الولايات المتحدة تكفلت بدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية والدفاع الصاروخي عنها، وأن ترامب سمح لدولة الاحتلال بالتأثير في قراراته، قائلًا، إنه من (المهين) أن يُقاد رئيس الولايات المتحدة من قبل (دولة صغيرة في الشرق الأوسط).. وقد حذر ترامب مرارًا من الانجرار إلى مواجهة مع إيران، إلا أن تلك التحذيرات لم تلق استجابة.. المواجهة مع إيران لم تكن مرتبطة ببرنامجها النووي، وإنما جاءت نتيجة جر الولايات المتحدة إلى (حرب لتغيير النظام)، وقد دفعت واشنطن (ثمنًا باهظًا) نتيجة ذلك.. تصرفت الإدارة الأمريكية بما يخدم المصالح العسكرية لحليفتها.. وقد سبق ونبه ترامب، من أن هذه السياسة ستدمر إرثه السياسي، وقد أخبره بأن اسمه سيرتبط بـ (كارثة)، على غرار ما حدث للرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، بعد غزو العراق عام 2003.. تلك الحرب التي عبر كارلسون عن ندمه على دعمه لها آنذاك، وقال، إنه انساق وراء الدعاية، مؤكدًا أنه تعلم من تلك التجربة.. ألا يسمح لنفسه بتكرار ذلك مستقبلًا.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق