"أسمهان قيثارة الأشجان".. دراسة تحليلية لأغانيها، عنوان أحدث مؤلفات الشاعر، الكاتب الروائي، أحمد فضل شبلول، والذي تطرحه خلال أيام عن دار مركز العرب للأبحاث والدراسات. ويتناول خلاله "شبلول" 38 أغنية من أغنيات أسمهان.
أسمهان طلبت من القصبجي تلحين أغنية "امتى حتعرف" بسرعة لهذا السبب
وفي تقديمه للكتاب يشير "شبلول" إلى أن يوسف وهبي في فيلم "غرام وانتقام" (1944) واجه مأزقًا فنيًّا بوفاة بطلته، فقام بتغيير نهاية الفيلم من زواج البطلين إلى موت البطلة في حادث سيارة مشابه للواقع. واستغل يوسف وهبي حالة الحزن العام وقام بتصوير مشاهد من جنازة أسمهان الحقيقية ودمجها في نهاية الفيلم، ليظهر البطل (جمال حمدي) وهو يبكي أمام جثمانها، واصفًا إيَّاها بأنها "لحن لم يتم".
ويُقال إن أسمهان شعرت بدنو أجلها؛ حيث طلبت من القصبجي تلحين أغنية "امتى حتعرف" بسرعة، كما أن الفيلم بدأ وانتهى بمشاهد مأساوية عكست واقع نهايتها. ويذكر أنه بفضل نجاح هذا الفيلم الذي حضر الملك فاروق عرضه الخاص، حصل يوسف وهبي على لقب "بك".
يعقد "شبلول" مقارنة بين أسمهان وأم كلثوم في مدرسة القصبجي التي تعتبر من أكثر الفصول إثارة في تاريخ الموسيقى العربية، فهي التي حددت مصير القصبجي الفني؛ فأسمهان هي "الحلم" الذي انتظر القصبجي تحقيقه، فقد كانت تملك حنجرة "مطَّاطية" ومثقفة موسيقيًّا، تقبل التجريب دون قيود. وسمحت للقصبجي بأن يخرج من أسر التخت الشرقي إلى رحاب الموسيقى الكلاسيكية العالمية.
"شبلول": أم كلثوم كانت تشعر بالغيرة الفنية من اهتمام القصبجي بأسمهان
إنها كانت تميل للتمرد والحداثة، لذا غنَّت ألحانه المعقَّدة بيسر مذهل، وكأنها تعيد صياغة مفهوم الغناء العربي، وفي الوقت نفسه كانت أم كلثوم تمثل "المؤسسة" التي تخشى على جمهورها العريض من التيارات الغربية. وعلى سبيل المثال كانت أم كلثوم في "رقّ الحبيب" تخشى "تغريب" القصبجي المفرط، إنها كانت تفضل الألحان التي تبرز قوتها السلطنية في المقامات الشرقية الأصيلة (وهو ما وجدته لاحقًا عند رياض السنباطي)، السنباطي الذي كان يرى أن "أسمهان هي المطربة الوحيدة التي نافست أم كلثوم بروعة صوتها وجماله".
ويواصل "شبلول": أم كلثوم كانت تشعر بالغيرة الفنية من اهتمام القصبجي المبالغ فيه بأسمهان، ورأت أن ألحانه لأسمهان أكثر تحررًا وابتكارًا من ألحانه لها. وبعد رحيل أسمهان المفاجئ عام 1944، وجد القصبجي نفسه وحيدًا بلا أسمهان التي تستوعب طموحه الجنوني. وعندما حاول القصبجي العودة للتلحين لأم كلثوم، بدأت ترفض ألحانه أو تطلب تعديلات جوهرية عليها لتناسب "شرقيتها"، مما جرح كبرياءه الفني، واكتفى بـ"العود" مقررًا التوقف عن التلحين تمامًا لغيرها، واختار أن يظل "عازف عود" خلفها في فرقتها لأكثر من 20 عامًا.
شبلول: أسمهان أثبتت أن القصبجي سابق لعصره
كان هذا القرار بمثابة "انتحار فني" صامت من القصبجي احتجاجًا على عدم وجود صوت بقيمة أسمهان يستوعب حداثته.
ونخلص إلى أن أسمهان أثبتت أن القصبجي سابق لعصره، بينما أثبتت أم كلثوم أنه أسير لموهبته. وبرحيل أسمهان، خسر القصبجي صوته المفضل، وخسرت الموسيقى العربية مشروعًا كان يمكن أن يغير وجه الغناء الشرقي تمامًا.















0 تعليق