الثقة المطلقة غباء مطلق

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كانت‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬الفنانة‭ ‬وداد‭ ‬حمدى‭ ‬سنة‭ ‬1994‭ ‬مؤلمة‭ ‬وصادمة‭.. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬فنانة‭ ‬محبوبة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل‭ ‬وسيدة‭ ‬عجوز‭ ‬عمرها‭ ‬70‭ ‬عامًا،‭ ‬تعيش‭ ‬بمفردها‭ ‬فى‭ ‬حالها‭ ‬تمامًا‭.. ‬ولكن‭ ‬الصدمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فقط‭ ‬فى‭ ‬قتلها‭ ‬المؤلم،‭ ‬بل‭ ‬فى‭ ‬القاتل‭ ‬أيضًا،‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬الوسط‭ ‬الفنى‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬بصدمة‭ ‬كبيرة‭.. ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬شخصًا‭ ‬معروفًا‭ ‬للجميع؛‭ ‬الريجيسير‭ ‬متى‭ ‬باسليوس،‭ ‬وشهد‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تعامل‭ ‬معه‭ ‬بالخلق‭ ‬والهدوء،‭ ‬فهو‭ ‬محبوب‭ ‬ومحل‭ ‬ثقة‭ ‬ويعرف‭ ‬بيوت‭ ‬الفنانين‭ ‬ويدخلها‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬وقت‭ ‬حاملًا‭ ‬أوردرات‭ ‬أو‭ ‬مهام‭ ‬العمل‭.‬

ولأن‭ ‬الفنانة‭ ‬كانت‭ ‬تعرفه‭ ‬جيدًا‭ ‬وتثق‭ ‬به‭ ‬ثقة‭ ‬عمياء،‭ ‬عندما‭ ‬هاتفها‭ ‬وقال‭ ‬لها‭ ‬إنه‭ ‬يحمل‭ ‬سيناريو‭ ‬جديدًا‭ ‬عن‭ ‬مسلسل‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬فيه،‭ ‬وطلب‭ ‬منها‭ ‬زيارتها،‭ ‬فرحت‭ ‬ورحبت‭ ‬بالزيارة‭ ‬المشئومة،‭ ‬ذهب‭ ‬إليها‭ ‬فى‭ ‬بيتها‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬معه‭ ‬أوردر‭ ‬تصوير،‭ ‬وكانت‭ ‬هى‭ ‬معتادة‭ ‬استقباله‭ ‬فى‭ ‬بيتها‭ ‬لنفس‭ ‬السبب،‭ ‬وكذلك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفنانين،‭ ‬فلم‭ ‬تشك‭ ‬لحظة‭ ‬فى‭ ‬أن‭ ‬لزيارته‭ ‬هدفًا‭ ‬آخر‭.‬

فتحت‭ ‬له‭ ‬الباب‭ ‬ودخل‭ ‬الرجل‭ ‬لبيتها‭ ‬وتركته‭ ‬لتحضر‭ ‬له‭ ‬شيئًا‭ ‬يشربه،‭ ‬لكنه‭ ‬دخل‭ ‬خلفها‭ ‬وطعنها‭ ‬فى‭ ‬رقبتها‭ ‬وفى‭ ‬أجزاء‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬جسدها‭ ‬35‭ ‬طعنة،‭ ‬وبعدها‭ ‬اتجه‭ ‬لسرقة‭ ‬البيت،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تحت‭ ‬القبة‭ ‬شيخ»؛‭ ‬لأنها‭ ‬فنانة‭ ‬قديمة‭ ‬واشتغلت‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬أنها‭ ‬تدخر‭ ‬مبلغًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬والمصوغات‭ ‬الذهبية‭ ‬تحتفظ‭ ‬بهما‭ ‬فى‭ ‬منزلها،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يعثر‭ ‬سوى‭ ‬على‭ ‬مائتى‭ ‬جنيه،‭ ‬وعلبة‭ ‬الذهب‭ ‬كانت‭ ‬فارغة،‭ ‬فأخذ‭ ‬متعلقات‭ ‬أخرى،‭ ‬منها‭ ‬جهاز‭ ‬كاسيت‭ ‬حديث،‭ ‬وتم‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬واعترف‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬مدينًا‭ ‬ويمر‭ ‬بضائقة‭ ‬مالية‭ ‬ففكر‭ ‬فى‭ ‬سرقة‭ ‬بعض‭ ‬الفنانين،‭ ‬منهم‭ ‬أحمد‭ ‬زكى‭ ‬ويسرا‭ ‬والقتيلة‭ ‬وداد‭ ‬حمدى،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬أسهل‭ ‬شخصية‭ ‬فيهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬له؛‭ ‬لعدة‭ ‬عوامل،‭ ‬منها‭ ‬كبر‭ ‬سنها‭ ‬وأنها‭ ‬تعيش‭ ‬بمفردها‭ ‬وسهل‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭.. ‬كما‭ ‬قال‭ ‬فى‭ ‬التحقيقات‭ ‬إنها‭ ‬توسلت‭ ‬إليه‭ ‬كى‭ ‬يتركها‭ ‬تعيش‭ ‬وهى‭ ‬‮«‬بتطلع‭ ‬فى‭ ‬الروح‮»‬‭.‬

تقريبًا‭ ‬نفس‭ ‬سيناريو‭ ‬قضية‭ ‬التجمع‭ ‬التى‭ ‬قتل‭ ‬فيها‭ ‬الصديق‭ ‬الأسرة‭ ‬التى‭ ‬تثق‭ ‬فيه‭ ‬ثقة‭ ‬عمياء،‭ ‬لأنه‭ ‬طمع‭ ‬فى‭ ‬أموالها‭ ‬ومصوغاتها‭.. ‬الثقة‭ ‬هنا‭ ‬هى‭ ‬الباب‭ ‬الذى‭ ‬يدخل‭ ‬منه‭ ‬الغدر،‭ ‬القتيل‭ ‬أسامة‭ ‬كان‭ ‬يثق‭ ‬فى‭ ‬صاحبه‭ ‬وليد‭ ‬الذى‭ ‬اعتاد‭ ‬زيارته‭ ‬فى‭ ‬منزله،‭ ‬وكانا‭ ‬دائمًا‭ ‬يخرجان‭ ‬سويًا،‭ ‬وكان‭ ‬القتيل‭ ‬يطمئن‭ ‬له‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬القاتل‭ ‬وليد‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يدخر‭ ‬أسامة‭ ‬‭ ‬فى‭ ‬منزله،‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬القصة‭ ‬هنا‭ ‬مختلفة‭ ‬بعض‭ ‬الشىء،‭ ‬لأن‭ ‬القاتل‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬فى‭ ‬أسرة‭ ‬أسامة‭ ‬أسرة‭ ‬مستقرة‭ ‬سعيدة‭ ‬حياتها‭ ‬هادئة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأزمات،‭ ‬هنا‭ ‬الغيرة‭ ‬والحقد‭ ‬أعتقد‭ ‬كان‭ ‬لهما‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬فى‭ ‬تخطيطه‭ ‬للجريمة‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬بالكامل،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الدافع‭ ‬الأساسى‭ ‬السرقة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬المتهم‭ ‬فى‭ ‬التحقيقات‭ ‬أن‭ ‬صديقه‭ ‬يعيش‭ ‬عيشة‭ ‬مرتاحة‭ ‬وهو‭ ‬مدين‭ ‬ويمر‭ ‬بضائقة‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭.‬

سنة‭ ‬1982‭ ‬تم‭ ‬عمل‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الغيرة‭ ‬القاتلة‮»‬‭ ‬اقتباسًا‭ ‬من‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬عُطيل‮»‬‭ ‬لشكسبير،‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬المدمرة‭ ‬التى‭ ‬تأتى‭ ‬من‭ ‬الغيرة‭ ‬والحقد،‭ ‬بطولة‭ ‬العمالقة‭ ‬يحيى‭ ‬الفخرانى‭ ‬ونور‭ ‬الشريف‭ ‬ونورا،‭ ‬وفى‭ ‬مفارقة‭ ‬مقصودة‭ ‬كان‭ ‬اسم‭ ‬الصديق‭ ‬الغيور‭ ‬‮«‬مخلص‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬يحيى‭ ‬الفخرانى،‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬يغار‭ ‬من‭ ‬صديقه‭ ‬‮«‬عمر‮»‬‭ ‬غيرة‭ ‬قاتلة‭ ‬جعلته‭ ‬يدبر‭ ‬دائمًا‭ ‬المكائد‭ ‬لصديقه‭ ‬وزوجته،‭ ‬فى‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬صديقه‭ ‬كان‭ ‬يثق‭ ‬به‭ ‬تمامًا‭ ‬ويحبه‭ ‬ويأتمنه‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياته،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬دائمًا‭ ‬ملاصقًا‭ ‬له‭ ‬ويعرف‭ ‬أدق‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياته،‭ ‬ما‭ ‬سهل‭ ‬مهمته‭ ‬فى‭ ‬تدمير‭ ‬حياته‭ ‬وخراب‭ ‬بيته‭.. ‬ولغيرة‭ ‬الرجال‭ ‬فعل‭ ‬الخنجر‭ ‬عكس‭ ‬الأغنية‭ ‬الشهيرة‭ ‬للفنان‭ ‬العراقى‭ ‬كاظم‭ ‬الساهر،‭ ‬وللأسف‭ ‬الشديد‭ ‬جرى‭ ‬العرف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تلصق‭ ‬وتقترن‭ ‬الغيرة‭ ‬بالنساء،‭ ‬ولكن‭ ‬علمتنا‭ ‬الحياة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬فرق،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الرجال‭ ‬أحيانًا‭ ‬يتفوقون‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬فى‭ ‬مسألة‭ ‬الغيرة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬غيرة‭ ‬الرجل‭ ‬غير‭ ‬واضحة‭ ‬مثل‭ ‬غيرة‭ ‬المرأة،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬اقتران‭ ‬الغيرة‭ ‬بالنساء،‭ ‬لكن‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬غيرة‭ ‬الرجل‭ ‬أشد‭ ‬قسوة‭ ‬وأكثر‭ ‬أذى،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬مستترة،‭ ‬فيسهل‭ ‬خداع‭ ‬الضحية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هؤلاء‭ ‬يكونون‭ ‬متمكنين‭ ‬فى‭ ‬إظهار‭ ‬المحبة‭ ‬والود‭ ‬وأهلًا‭ ‬للمحبة‭ ‬والإخلاص‭ ‬المصطنعين،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬بسبب‭ ‬أن‭ ‬سمعة‭ ‬النساء‭ ‬فى‭ ‬الغيرة‭ ‬أشهر‭ ‬فلا‭ ‬يصدق‭ ‬الرجال‭ ‬كثيرًا‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يستوعبون‭ ‬غيرة‭ ‬رجال‭ ‬آخرين‭ ‬منهم،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬صديق‭.‬

ولعل‭ ‬أول‭ ‬جريمة‭ ‬فى‭ ‬الكون‭ ‬كانت‭ ‬بسبب‭ ‬الغيرة‭ ‬وكانت‭ ‬بين‭ ‬الرجال،‭ ‬عندما‭ ‬قتل‭ ‬قابيل‭ ‬أخاه‭ ‬هابيل‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يغار‭ ‬منه؛‭ ‬لأنه‭ ‬تزوج‭ ‬من‭ ‬الفتاة‭ ‬الجميلة‭ ‬وطمع‭ ‬فيها،‭ ‬وكان‭ ‬هابيل‭ ‬بالطبع‭ ‬يثق‭ ‬فى‭ ‬أخيه‭ ‬ولا‭ ‬يتوقع‭ ‬شره،‭ ‬فهو‭ ‬أخوه،‭ ‬وكذلك‭ ‬إخوة‭ ‬يوسف‭- ‬عليه‭ ‬السلام‭- ‬الذين‭ ‬ألقوا‭ ‬أخيهم‭ ‬فى‭ ‬البئر؛‭ ‬لأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يغارون‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬أبيهم‭ ‬له‭.. ‬وذهب‭ ‬يوسف‭ ‬معهم‭ ‬فى‭ ‬أمان؛‭ ‬لأنهم‭ ‬إخوته‭ ‬فكيف‭ ‬يؤذونه‭. ‬

ولأن‭ ‬الصفات‭ ‬السيئة‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مقترنه‭ ‬ببعضها،‭ ‬فإن‭ ‬الطمع‭ ‬والجشع‭ ‬عندما‭ ‬يأتيان‭ ‬مع‭ ‬الغيرة‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬كارثية،‭ ‬مثلما‭ ‬هى‭ ‬جريمة‭ ‬التجمع،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شىء‭ ‬قابيل‭ ‬وهابيل،‭ ‬لذلك‭ ‬احذر‭ ‬من‭ ‬عدوك‭ ‬مرة‭ ‬ومن‭ ‬صديقك‭ ‬ألف‭ ‬مرة،‭ ‬والحكمة‭ ‬القديمة‭ ‬التى‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬ربى‭ ‬اكفنى‭ ‬شر‭ ‬أعدائى‭ ‬أما‭ ‬أصدقائى‭ ‬فأنا‭ ‬كفيل‭ ‬بهم‮»‬‭ ‬تلخص‭ ‬الأمر‭ ‬كله،‭ ‬لأنك‭ ‬تعرف‭ ‬العدو‭ ‬وتأخذ‭ ‬حذرك‭ ‬منه،‭ ‬لكن‭ ‬الصديق‭ ‬أو‭ ‬القريب‭ ‬تعطيه‭ ‬ظهرك‭ ‬فى‭ ‬أمان،‭ ‬ولأنه‭ ‬قريب‭ ‬فيعرف‭ ‬عنك‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعرفة‭ ‬العدو‭ ‬البعيد،‭ ‬فضربته‭ ‬غالبًا‭ ‬تكون‭ ‬فى‭ ‬مقتل‭.. ‬الثقة‭ ‬المطلقة‭ ‬غباء‭ ‬مطلق‭.‬

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق