حين يصبح قانون الأحوال الشخصية استثناءً

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬حديثة‭ ‬توجد‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬التى‭ ‬تنظم‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬وعلاقاتهم‭. ‬فهناك‭ ‬القانون‭ ‬المدنى،‭ ‬والقانون‭ ‬الجنائى،‭ ‬والقانون‭ ‬التجارى،‭ ‬والقانون‭ ‬الإدارى،‭ ‬وقانون‭ ‬العمل،‭ ‬والقانون‭ ‬الضريبى‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬التى‭ ‬تمس‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬اليومية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬قانون‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬حالة‭ ‬مختلفة؛‭ ‬فهو‭ ‬المجال‭ ‬الوحيد‭ ‬تقريبًا‭ ‬الذى‭ ‬يستمر‭ ‬فيه‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬ارتباط‭ ‬التشريع‭ ‬المدنى‭ ‬بالتعاليم‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الأحكام‭ ‬الفقهية،‭ ‬وكأن‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬يمثل‭ ‬استثناءً‭ ‬عن‭ ‬القاعدة‭ ‬العامة‭ ‬فى‭ ‬صناعة‭ ‬القوانين‭.‬

وهنا‭ ‬يطرح‭ ‬سؤال‭ ‬جوهرى‭ ‬نفسه‭:‬

لماذا‭ ‬يصبح‭ ‬قانون‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬هو‭ ‬الاستثناء‭ ‬الوحيد‭ ‬بين‭ ‬قوانين‭ ‬الدولة؟

إن‭ ‬طرح‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬بأى‭ ‬حال‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬إنكار‭ ‬أثره‭ ‬فى‭ ‬حياة‭ ‬المجتمع؛‭ ‬فالأديان‭ ‬كانت‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬مصدرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬التى‭ ‬شكلت‭ ‬وجدان‭ ‬المجتمعات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التعاليم‭ ‬الدينية‭ ‬تمثل‭ ‬مرجعية‭ ‬روحية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬لملايين‭ ‬الناس‭. ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬فرقًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬بين‭ ‬احترام‭ ‬القيم‭ ‬الدينية،‭ ‬وتحويل‭ ‬الأحكام‭ ‬الفقهية‭ ‬أو‭ ‬التفسيرات‭ ‬الدينية‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬قانونية‭ ‬مدنية‭ ‬ملزمة‭ ‬لجميع‭ ‬المواطنين‭.‬

فالدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬تنظم‭ ‬الحقوق‭ ‬والواجبات،‭ ‬تحقيقًا‭ ‬للمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬وتنظيمًا‭ ‬للعلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأفراد،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قوانين‭ ‬مدنية‭ ‬تصدرها‭ ‬مؤسساتها‭ ‬التشريعية،‭ ‬وتقضى‭ ‬بها‭ ‬محاكمها،‭ ‬وتنفذها‭ ‬سلطاتها‭ ‬العامة‭. ‬

أما‭ ‬الأحكام‭ ‬الفقهية‭ ‬والتفسيرات‭ ‬الدينية‭ ‬الاجتهادية،‭ ‬فهى‭ ‬ثمرة‭ ‬جهود‭ ‬علمية‭ ‬معتبرة،‭ ‬نشأت‭ ‬فى‭ ‬إطار‭ ‬الفهم‭ ‬الدينى‭ ‬للنصوص،‭ ‬وتخاطب‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عقيدته‭ ‬وضميره‭ ‬وانتمائه‭ ‬الدينى‭.‬

وهذا‭ ‬الفرق‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يظهر‭ ‬فى‭ ‬جميع‭ ‬مجالات‭ ‬التشريع‭.‬

فالقانون‭ ‬الجنائى،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬جرائم‭ ‬القتل‭ ‬والسرقة‭ ‬والغش‭ ‬وخيانة‭ ‬الأمانة‭ ‬وجرائم‭ ‬الترويع،‭ ‬وهى‭ ‬أفعال‭ ‬نهت‭ ‬عنها‭ ‬الأديان‭ ‬وأكدت‭ ‬خطورتها‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬رتبت‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬جزاءات‭ ‬وعقوبات‭. ‬

والقانون‭ ‬التجارى‭ ‬ينظم‭ ‬العقود‭ ‬والمعاملات‭ ‬التى‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬الثقة‭ ‬والأمانة‭ ‬ومنع‭ ‬الغش‭ ‬والإضرار‭ ‬بالغير‭. ‬

أما‭ ‬قانون‭ ‬العمل‭ ‬فيعالج‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وكرامته،‭ ‬ويضع‭ ‬قواعد‭ ‬لحماية‭ ‬العامل‭ ‬وتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬فى‭ ‬علاقة‭ ‬العمل‭. ‬

وهذه‭ ‬كلها‭ ‬مجالات‭ ‬التقت‭ ‬فيها‭ ‬التشريعات‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬دينية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬أكدت‭ ‬العدل‭ ‬وصيانة‭ ‬الحقوق‭ ‬وتحريم‭ ‬الظلم‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تُصغ‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬باعتبارها‭ ‬نقلًا‭ ‬حرفيًا‭ ‬للأحكام‭ ‬الدينية،‭ ‬ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬العقوبات‭ ‬أو‭ ‬الأحكام‭ ‬كما‭ ‬وردت‭ ‬فى‭ ‬المرجعيات‭ ‬الدينية،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تشترط‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬التشريعات‭ ‬الجنائية‭ ‬أو‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬الإدارية‭ ‬مطابقة‭ ‬لرؤية‭ ‬فقهية‭ ‬محددة‭ ‬أو‭ ‬خاضعة‭ ‬لموافقة‭ ‬سلطة‭ ‬دينية‭ ‬قبل‭ ‬إصدارها،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬معيارها‭ ‬تحقيق‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬وإقامة‭ ‬العدالة،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬توافق‭ ‬مجتمعى‭ ‬حول‭ ‬القواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للعلاقات‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

لقد‭ ‬استطاعت‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬أن‭ ‬تحترم‭ ‬الدين‭ ‬فى‭ ‬وجدان‭ ‬المؤمنين‭ ‬به،‭ ‬وأن‭ ‬تراعى‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وفى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬قوانين‭ ‬مدنية‭ ‬تنظم‭ ‬حياة‭ ‬المجتمع‭ ‬كله،‭ ‬وفق‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬السؤال‭: ‬لماذا‭ ‬يظل‭ ‬قانون‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬مختلفًا؟

قد‭ ‬يكون‭ ‬السبب‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬والطلاق‭ ‬ارتبطا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهما‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الزواج‭ ‬فى‭ ‬معظم‭ ‬المجتمعات‭ ‬يحمل‭ ‬بعدًا‭ ‬دينيًا‭ ‬وروحيًا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعديه‭ ‬الاجتماعى‭ ‬والقانونى‭.‬

لكن‭ ‬الارتباط‭ ‬التاريخى‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬التنظيم‭ ‬القانونى‭ ‬للأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬استثناءً‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬فروع‭ ‬القانون؛‭ ‬فالمجتمعات‭ ‬تتطور،‭ ‬ووظائف‭ ‬الدولة‭ ‬تتغير،‭ ‬والقوانين‭ ‬يعاد‭ ‬تنظيمها‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬العصر‭.‬

إن‭ ‬وظيفة‭ ‬الدولة‭ ‬ليست‭ ‬تفسير‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬حسم‭ ‬الخلافات‭ ‬الفقهية،‭ ‬فهذه‭ ‬بطبيعتها‭ ‬مسائل‭ ‬يقع‭ ‬فيها‭ ‬الاجتهاد‭ ‬وتتعدد‭ ‬فيها‭ ‬الآراء،‭ ‬وإنما‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقات‭ ‬المدنية‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬العدالة‭ ‬والمساواة‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭. ‬أما‭ ‬فهم‭ ‬التعاليم‭ ‬الدينية،‭ ‬والاجتهاد‭ ‬فى‭ ‬تفسيرها،‭ ‬وتحديد‭ ‬ما‭ ‬ينسجم‭ ‬منها‭ ‬مع‭ ‬العقيدة‭ ‬وما‭ ‬يختلف‭ ‬معها،‭ ‬فهى‭ ‬شأن‭ ‬عقائدى‭ ‬يتحمل‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬مسئوليته‭ ‬فيه‭ ‬وفق‭ ‬معتقده‭ ‬وضميره‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬دينى‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬قانونى‭.‬

ففى‭ ‬المجال‭ ‬الدينى،‭ ‬توجد‭ ‬نصوص‭ ‬قطعية‭ ‬الثبوت‭ ‬وقطعية‭ ‬الدلالة‭ ‬تمثل‭ ‬محل‭ ‬اتفاق‭ ‬بين‭ ‬المؤمنين‭ ‬بها،‭ ‬أما‭ ‬معظم‭ ‬الأحكام‭ ‬التى‭ ‬تنظم‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬والمعاملات‭ ‬فهى‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفقهى‭ ‬وتعدد‭ ‬التفسيرات،‭ ‬وقد‭ ‬نشأت‭ ‬حولها‭ ‬مدارس‭ ‬ومذاهب‭ ‬متعددة‭.‬

وهذه‭ ‬الاجتهادات،‭ ‬على‭ ‬أهميتها‭ ‬وقيمتها‭ ‬لدى‭ ‬أصحابها،‭ ‬تظل‭ ‬مرجعيات‭ ‬دينية‭ ‬معتبرة‭ ‬لمن‭ ‬يختار‭ ‬الأخذ‭ ‬بها،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬بذاتها‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬قانونية‭ ‬ملزمة‭ ‬لجميع‭ ‬المواطنين‭ ‬بسبب‭ ‬تعددها‭ ‬واختلافها،‭ ‬وإنما‭ ‬تكتسب‭ ‬صفة‭ ‬الإلزام‭ ‬القانونى‭ ‬عندما‭ ‬يتبناها‭ ‬المشرّع‭ ‬ويصوغها‭ ‬فى‭ ‬إطار‭ ‬تشريعى‭ ‬عام‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الفرق‭ ‬الأساسى‭ ‬بين‭ ‬الإلزام‭ ‬القانونى‭ ‬والالتزام‭ ‬الدينى‭.‬

فالقانون‭ ‬يستمد‭ ‬قوته‭ ‬الإلزامية‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬ويطبق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مؤسساتها‭ ‬الرسمية،‭ ‬ويتم‭ ‬تنفيذه‭ ‬بواسطة‭ ‬القضاء‭ ‬وأجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬التنفيذية‭. ‬أما‭ ‬الالتزام‭ ‬الدينى‭ ‬فيستمد‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬إيمان‭ ‬الإنسان‭ ‬وقناعته‭ ‬الداخلية‭ ‬وارتباطه‭ ‬بمرجعيته‭ ‬الدينية‭.‬

فالقانون‭ ‬مسئولية‭ ‬الدولة،‭ ‬أما‭ ‬العقيدة‭ ‬فمسئولية‭ ‬الضمير‭.‬

والخلط‭ ‬بين‭ ‬المجالين‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬الدين‭ ‬ولا‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يحمّل‭ ‬القانون‭ ‬المدنى‭ ‬مهمة‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬طبيعته‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬اختصاصه،‭ ‬وهى‭ ‬الفصل‭ ‬فى‭ ‬مسائل‭ ‬تمس‭ ‬الاعتقاد‭ ‬والضمير‭.‬

وعندما‭ ‬تختلط‭ ‬هذه‭ ‬الأدوار،‭ ‬تحدث‭ ‬إشكاليات‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬أى‭ ‬طرف؛‭ ‬فالدولة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬اقتناعًا‭ ‬دينيًا‭ ‬بحكم‭ ‬قضائى،‭ ‬والمؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬الدولة‭ ‬فى‭ ‬تنظيم‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬للمواطنين‭. ‬لكل‭ ‬مجال‭ ‬أدواته‭ ‬ووظيفته‭.‬

وفى‭ ‬الواقع‭ ‬العملى،‭ ‬لا‭ ‬يؤدى‭ ‬الحكم‭ ‬المدنى‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المحكمة‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬المرجعيات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬المؤسسات‭ ‬الروحية،‭ ‬ولا‭ ‬يحل‭ ‬محلها؛‭ ‬فالحكم‭ ‬المدنى‭ ‬ينظم‭ ‬العلاقة‭ ‬القانونية‭ ‬أمام‭ ‬الدولة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أن‭ ‬يحسم‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬تفسيرًا‭ ‬عقائديًا‭ ‬معينًا‭.‬

ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬فى‭ ‬الواقع‭ ‬الكنسى؛‭ ‬فلا‭ ‬يُتصور‭ ‬أن‭ ‬تقبل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬حكمًا‭ ‬مدنيًا‭ ‬يتعلق‭ ‬ببطلان‭ ‬الزواج‭ ‬أو‭ ‬الطلاق‭ ‬أو‭ ‬الفسخ‭ ‬باعتباره‭ ‬حاسمًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الدينية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدرسه‭ ‬وفق‭ ‬مرجعيتها‭ ‬الخاصة‭ ‬وتحدد‭ ‬موقفها‭ ‬منه‭. ‬فالمجالس‭ ‬الإكليريكية‭ ‬والروحية‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬فى‭ ‬الكنيسة‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬إلغاء‭ ‬المحاكم‭ ‬الملية،‭ ‬وستظل‭ ‬قائمة‭ ‬حتى‭ ‬فى‭ ‬حالة‭ ‬صدور‭ ‬قانون‭ ‬للأحوال‭ ‬الشخصية،‭ ‬لتواصل‭ ‬تقديم‭ ‬التوجيه‭ ‬الدينى‭ ‬لأتباعها‭. ‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحكم‭ ‬المدنى‭ ‬بالطلاق‭ ‬أو‭ ‬التطليق‭ ‬أو‭ ‬الفسخ،‭ ‬وكذلك‭ ‬التصريح‭ ‬المدنى‭ ‬بالزواج،‭ ‬لا‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬أى‭ ‬منهما‭ ‬بذاته‭ ‬أثر‭ ‬تلقائى‭ ‬فى‭ ‬النظام‭ ‬الكنسى،‭ ‬وإنما‭ ‬تخضع‭ ‬المسألة‭ ‬كلها‭ ‬للإجراءات‭ ‬والضوابط‭ ‬التى‭ ‬تقررها‭ ‬الكنيسة‭ ‬وفق‭ ‬عقيدتها،‭ ‬لأن‭ ‬الحكم‭ ‬الكنسى‭ ‬له‭ ‬مجاله‭ ‬الخاص‭ ‬الذى‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬مجال‭ ‬الحكم‭ ‬المدنى‭.‬

وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬على‭ ‬المسلمين؛‭ ‬فالتزام‭ ‬المواطن‭ ‬بحكم‭ ‬القانون‭ ‬المدنى‭ ‬لا‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬رجوعه‭ ‬إلى‭ ‬المرجعية‭ ‬الفقهية‭ ‬التى‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭ ‬طلبًا‭ ‬للرأى‭ ‬الدينى،‭ ‬كما‭ ‬تظل‭ ‬المرجعيات‭ ‬الدينية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬الأحكام‭ ‬المدنية‭ ‬وتقويمها‭ ‬وفق‭ ‬اجتهاداتها‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحل‭ ‬الأكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬هو‭ ‬وضوح‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬المجالين‭: ‬فالدولة‭ ‬تنظم‭ ‬الحقوق‭ ‬والالتزامات‭ ‬المدنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القانون،‭ ‬بينما‭ ‬تحتفظ‭ ‬كل‭ ‬جماعة‭ ‬دينية‭ ‬بحقها‭ ‬فى‭ ‬تنظيم‭ ‬الجانب‭ ‬الروحى‭ ‬والعقائدى‭ ‬لأتباعها‭ ‬وفق‭ ‬معتقداتها؛‭ ‬فالقانون‭ ‬المدنى‭ ‬يحكم‭ ‬العلاقة‭ ‬أمام‭ ‬الدولة،‭ ‬أما‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬فتبقى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬وقناعة‭ ‬المؤمنين‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬الواضح‭ ‬بين‭ ‬عقد‭ ‬الزواج‭ ‬باعتباره‭ ‬علاقة‭ ‬مدنية‭ ‬تنشئ‭ ‬حقوقًا‭ ‬والتزامات‭ ‬أمام‭ ‬الدولة،‭ ‬وبين‭ ‬الزواج‭ ‬الدينى‭ ‬باعتباره‭ ‬علاقة‭ ‬روحية‭ ‬تنظمها‭ ‬كل‭ ‬طائفة‭ ‬وفق‭ ‬عقيدتها؛‭ ‬فالعقد‭ ‬المدنى‭ ‬هو‭ ‬الذى‭ ‬يحدد‭ ‬المركز‭ ‬القانونى‭ ‬للزوجين‭ ‬أمام‭ ‬الدولة،‭ ‬بينما‭ ‬يعبر‭ ‬الزواج‭ ‬الدينى‭ ‬عن‭ ‬الالتزام‭ ‬الروحى‭ ‬والعقائدى‭ ‬الذى‭ ‬يختاره‭ ‬الإنسان‭ ‬وفق‭ ‬إيمانه‭. ‬ويمكن‭ ‬للشخص‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬العقدين‭ ‬إذا‭ ‬رغب،‭ ‬متى‭ ‬استوفى‭ ‬العقد‭ ‬المدنى‭ ‬شروطه‭ ‬القانونية،‭ ‬والزواج‭ ‬الدينى‭ ‬شروطه‭ ‬الدينية،‭ ‬بحيث‭ ‬يجتمع‭ ‬التنظيم‭ ‬القانونى‭ ‬للعلاقة‭ ‬مع‭ ‬الإطار‭ ‬الدينى‭ ‬الذى‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬معتقده‭.‬

إن‭ ‬احترام‭ ‬الدين‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الدولة‭ ‬مؤسسة‭ ‬دينية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬إبعاد‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭. ‬

التوازن‭ ‬الحقيقى‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬حدوده‭: ‬القانون‭ ‬ينظم‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬والدين‭ ‬يهذب‭ ‬الضمير‭ ‬ويوجه‭ ‬السلوك‭.‬

وعندما‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬التمييز،‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬قانون‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬استثناءً‭ ‬فى‭ ‬بنية‭ ‬التشريع،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬قانونًا‭ ‬مدنيًا‭ ‬مثل‭ ‬غيره‭: ‬يحمى‭ ‬الحقوق،‭ ‬وينظم‭ ‬العلاقات،‭ ‬ويحترم‭ ‬الإنسان‭ ‬فى‭ ‬مواطنته‭ ‬وعقيدته‭ ‬معًا‭.‬

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق