أفادت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة أكدت يوم الثلاثاء على المبدأ القانوني التاريخي الذي يقضي بمنح الجنسية الأمريكية تلقائيًا لكل من يولد على الأراضي الأمريكية.
ويمثل هذا القرار حسمًا قضائيًا كبيرًا يرفض مساعي الرئيس دونالد ترامب لإعادة تعريف مفهوم "المواطنة الأمريكية" بشكل جذري، في خطوة لم تشهدها البلاد منذ أكثر من 150 عامًا.
وأضافت الصحيفة أن القضاة أبطلوا بموجب هذا الحكم الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترامب، والذي كان ينص على حجب الجنسية عن الأطفال المولودين لأبوين مقيمين في البلاد بشكل غير قانوني، أو أولئك القادمين بموجب تأشيرات مؤقتة للعمل، السياحة، الدراسة، أو لأسباب إنسانية.
وأوضحت "واشنطن بوست" أن خطة ترامب كان من شأنها أن تحدث تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية هائلة، إذ كانت ستغير مفهوم المواطنة بأكثر الطرق جوهرية منذ المصادقة على التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي في أعقاب الحرب الأهلية، والذي ضمن المواطنة للعبيد المحررين آنذاك.
حيثيات قانونية وانقسام داخل المحكمة
وأشارت الصحيفة إلى أن الحكم يعيد تأكيد المفهوم المستقر منذ أمد بعيد بأن التعديل الرابع عشر يمنح الجنسية تلقائيًا لأي طفل يولد في الولايات المتحدة، مع استثناءات محدودة للغاية تشمل أبناء الدبلوماسيين وبعض الحالات النادرة الأخرى. وهي القاعدة التي أرستها المحكمة العليا في حكمها التاريخي عام 1898 في قضية "وونغ كيم آرك"، وهو رجل ولد لمهاجرين صينيين في سان فرانسيسكو واعتُبر مواطنًا أمريكيًا.
صاغ رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، رأي الأغلبية التي تشكلت من جبهة تيار مختلط أيديولوجيًا؛ ضمت قضاة المحكمة الثلاثة الليبراليين، إلى جانب القاضيين المحافظين إيمي كوني باريت وبريت كافاناه (الذي أيد جزءًا واعترض على جزء آخر).
وكتب روبرتس: "المواطنة، في الماضي والآن، هي الحق في الحصول على الحقوق — والمشاركة بحرية في مجتمعنا السياسي. لقد مَدّ صائغو التعديل الرابع عشر هذا الوعد ليشمل كل شخص يولد حرًا في هذه الأرض، ونحن نحافظ على هذا الوعد اليوم."
وتابعت الصحيفة أن الحكم صدر وسط اعتراضات شديدة من القضاة المحافظين كلارنس توماس، نيل غورسوش، وسامويل أليتو. وكتب القاضي توماس معبرًا عن رأي الأقلية المعترضة: "إن المحكمة تضيف صفحة جديدة إلى التاريخ الحزين للتعديل الرابع عشر، الذي صُمم وفُهم في الأصل لضمان الحقوق المتساوية للسود المحررين، ولكن أُعيد توظيفه بدلًا من ذلك في مشاريع سياسية لم يدعمها كونغرس إعادة الإعمار".
ومضت الصحيفة قائلة إن الجدال القانوني الذي قاده المحامي العام، دي. جون ساوير، ممثلًا عن إدارة ترامب، تركز على عبارة "الخضوع لسلطانها المستمد من القوانين" الواردة في التعديل الرابع عشر، حيث جادل ساوير بأن منح الجنسية الشاملة يخلق "مغناطيسًا للهجرة غير القانونية" و"سياحة الولادة".
واعتبر أن الأطفال الذين يفتقر آباؤهم إلى الإقامة الدائمة لا يمكنهم إثبات الولاء السياسي اللازم للولايات المتحدة. وفي المقابل، رفضت سيسيليا وانغ، محامية الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) التي أقامت الدعوى لإبطال القرار، هذا التفسير مؤكدة أن نص التعديل صريح وتدبّره عقود من الممارسات الحكومية والأحكام القضائية المستقرة.
واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى الآثار الكارثية التي كان سيخلفها قرار ترامب لو تم تمريره؛ حيث تشير التقديرات الصادرة عن خبراء وأكاديميين إلى أن نحو 250 ألف طفل كانوا سيولدون سنويًا في الولايات المتحدة دون الحصول على الجنسية (أي حوالي 5 ملايين طفل بحلول عام 2045)، ما كان سيهدد بترك العديد منهم "بلا جنسية" في حال عدم قدرة والديهم على استخراج جنسيات لهم من بلدانهم الأصلية.
وحذر الأكاديميون من أن قرار الإدارة الأمريكية كان سيخلق "طبقة اجتماعية أدنى دائمية" تعطل مسيرة الحراك الطبقي الصاعد للمهاجرين وتلقي بظلالها السلبية على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي.
والولايات المتحدة هي واحدة من بين نحو 35 دولة فقط في العالم تعتمد نظام منح الجنسية بالولادة على الأرض (حق الأرض)، في حين تشترط معظم دول العالم الأخرى أن يكون الأبوان مواطنين أو مقيمين دائمين لمنح الجنسية لأبنائهم.













0 تعليق