يرى أحمد أنور سعدة، الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد الأمريكي مر خلال السنوات الماضية بعدة محطات رئيسية شكّلت ما يشبه "المسرحية الاقتصادية"، حيث تغيرت السياسات والأدوار وفقًا للظروف الداخلية والتطورات العالمية.
وأوضح سعدة أن تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الأولى عام 2017 شهد توجهًا نحو فرض رسوم جمركية على الصين، بالتزامن مع خفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، بهدف دعم النشاط الاقتصادي وتجنب الدخول في حالة ركود.
الفصل الأول.. جائحة كورونا
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن أزمة كورونا شكلت نقطة تحول رئيسية في الاقتصاد العالمي، بعد موجة الإغلاق التي شهدتها الدول، وتوقف حركة الطيران، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الأنشطة الاقتصادية، وهو ما انعكس على معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية واجهت هذه التطورات عبر رفع أسعار الفائدة بصورة قوية بهدف السيطرة على التضخم، إلا أن اللافت - بحسب رؤيته - كان استمرار ارتفاع الدولار وأسواق الأسهم والذهب والفضة والعملات المشفرة في الوقت نفسه، وهو ما اعتبره حالة استثنائية مقارنة بالنظريات الاقتصادية التقليدية.
الفصل الثاني.. عودة ترامب
وأكد سعدة أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 جاءت في وقت بدأت فيه معدلات التضخم في التراجع، بالتزامن مع عودة المخاوف من احتمالات حدوث ركود اقتصادي.
وأشار إلى أن إدارة ترامب اعتمدت على مجموعة من الأدوات لتحفيز الاقتصاد، تضمنت فرض رسوم جمركية على عدد من دول العالم، والسعي إلى إضعاف الدولار، والدفع نحو خفض أسعار الفائدة، إلى جانب جذب استثمارات خليجية إلى الاقتصاد الأمريكي.
وأوضح أن أسعار الذهب والفضة والأسواق المالية واصلت تسجيل مستويات مرتفعة رغم هذه الإجراءات، بينما لم يرتفع التضخم بالمعدلات التي كانت متوقعة.
وأضاف أن التطورات العسكرية في المنطقة، وما تبعها من ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز وزيادة الطلب على الصناعات الدفاعية الأمريكية، ساهمت في إعادة بعض الضغوط التضخمية، وهو ما أدى إلى تراجع المخاوف من الركود الاقتصادي.
الفصل الثالث.. مرحلة الضباب
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن توقف المواجهات العسكرية وانخفاض أسعار النفط والمعادن وعودة سلاسل الإمداد إلى الانتظام أعادت حالة من عدم اليقين بشأن المسار المقبل للتضخم.
وأكد أن الإدارة الأمريكية تراقب حاليًا اتجاهات التضخم، وما إذا كانت ستواصل التراجع أو تستقر عند مستوياتها الحالية، في ظل الرغبة في خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها دون تغيير.
وأوضح أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، من بينها ارتفاع الدين العام إلى نحو 40 تريليون دولار، وزيادة معدلات التعثر في بطاقات الائتمان، واستمرار الضغوط في سوق العمل، إلى جانب استمرار التوترات التجارية مع الصين واتجاه بعض الدول إلى زيادة احتياطياتها من الذهب مقابل تقليل الاعتماد على السندات الأمريكية.
المشهد الأخير
وقال أحمد أنور سعدة إن المشهد الاقتصادي العالمي لا يزال غير محسوم، مشيرًا إلى أن الصورة قد تصبح أكثر وضوحًا مع نهاية عام 2026.
وأوضح أن المستثمرين انقسموا إلى اتجاهين؛ الأول يرى أن التضخم وأسعار الفائدة والدولار قد تتجه إلى الارتفاع، ولذلك يقلل من استثماراته في الذهب والفضة والعملات المشفرة، بينما يرى الاتجاه الآخر أن التضخم يتجه إلى الانخفاض، ما يدفعه إلى زيادة استثماراته تدريجيًا في هذه الأصول.
واختتم سعدة تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الاقتصاد الأمريكي سيظل مرتبطًا بالسياسات التي ستتبناها الإدارة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستستمر في الإجراءات الحالية أو تلجأ إلى خيارات جديدة قد تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي.















0 تعليق