تمر اليوم الذكرى الحادية والعشرون لرحيل الكاتب والقاص الكبير محمد مستجاب، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم الموافق 26 يونيو 2006، بعد أن ترك بصمة خاصة في فن القصة القصيرة والرواية، جعلته واحدًا من أبرز كتاب السرد في العالم العربي، بفضل أسلوبه الساخر ولغته المميزة وشخصياته التي استلهمها من البيئة المصرية.
بداية أدبية صنعتها «الهلال»
بدأت رحلة مستجاب الأدبية عندما نشرت مجلة الهلال أولى قصصه عام 1969، بعدما كتب رئيس تحريرها آنذاك، كامل زهيرى، أن القصة وصلت بالبريد وتستحق النشر كما هي.
وقبل ذلك كان مستجاب قد التقى الكاتب المسرحي علي سالم أثناء عمله في مشروع السد العالي، وكان أول من شجعه على احتراف الكتابة، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت على يد الشاعر صلاح عبد الصبور، رئيس تحرير مجلة الكاتب آنذاك.
وبعد أن قرأ عبد الصبور إحدى قصصه، قال له: "هذه بداية رواية"، وطلب منه أن يكتب فصلًا كل شهر، حتى اكتملت بعد عام وأربعة أشهر روايته الشهيرة «من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ»، التي تدور حول بطل وصفه مستجاب بأنه "المصري الوحيد الذي لم يفعل شيئًا منذ السطر الأول وحتى نهاية الرواية".
الليلة التي بكى فيها الجبل
ورغم شخصيته الساخرة التي عُرف بها، عاش محمد مستجاب واحدة من أقسى لحظات حياته عندما أصيبت ابنته الصغرى سوسن بشلل كامل بعد تلقيها حقنة كورتيزون.
ويروي الكاتب الصحفي والروائي عادل سعد، في مقال نشره بمجلة صباح الخير، تفاصيل تلك الليلة المؤلمة، قائلًا إنه كُلِّف بإبلاغ مستجاب بأن ابنته لن تتمكن من السير مرة أخرى.
ويصف المشهد بقوله: "شاهدت الجبل يبكي"، بينما كان مستجاب يتمتم: "أنا فعلت الكثير، أستحق عليه العقاب، لكن يا رب عاقبني أنا، ولا تعذبها بذنبي."
باع كل ما يملك لإنقاذ ابنته
قضى مستجاب شهورًا طويلة في محاولة علاج ابنته، بعدما تسبب العلاج الخاطئ في إصابتها بشلل شبه كامل. وبعد شهر من العلاج استطاعت أن ترفع أحد جفنيها بصعوبة، بينما ظل جسدها عاجزًا عن الحركة.
ومع ارتفاع تكلفة العلاج، التي بلغت نحو 20 ألف جنيه أسبوعيًا، اضطر الأديب الكبير إلى بيع كل ما يملك؛ مدخراته، وقطعة الأرض التي يمتلكها في بلدته، ومنزله، حتى يتمكن من سداد نفقات العلاج وديون المستشفى.
دعم من كبار المثقفين
ويكشف عادل سعد أن عددًا من الشخصيات العامة والمثقفين ساندوا مستجاب في محنته، إذ قدم الكاتب صبري موسى عشرة آلاف جنيه، كما ساهم الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بالمبلغ نفسه.
كما تدخل وزير الصحة آنذاك الدكتور إسماعيل سلام، وبعد لقاء جمعه بعادل سعد، وافق على تقديم عشرة آلاف جنيه، وهو الحد الأقصى الذي كان يملكه الوزير للمساعدات، إلا أن هذه المساهمات، رغم أهميتها، لم تكن كافية أمام التكلفة الباهظة للعلاج، التي استنزفت كل ما امتلكه محمد مستجاب.
ورغم المأساة الإنسانية التي عاشها في سنواته الأخيرة، ظل محمد مستجاب حاضرًا في ذاكرة الأدب العربي، باعتباره أحد أكثر كتاب القصة تميزًا، وصاحب تجربة إبداعية وإنسانية لا تزال تلهم أجيالًا من القراء والكتاب.

















0 تعليق