أكد خبراء اقتصاديون أن مصر تتحمل مسئولية إنسانية باستضافة نحو ١٠.٥ مليون أجنبى ومهاجر ولاجئ، نيابة عن المجتمع الدولى، مشيرين إلى أن ذلك له تكلفة اقتصادية ضخمة، ويُرهق الموازنة العامة.
وأوضح الخبراء، فى حديثهم لـ«الدستور»، أن هذه التكلفة تأتى نتيجة ارتفاع الإنفاق على الخدمات الأساسية، وزيادة الطلب على السلع والطاقة والإسكان والمرافق، ما يستدعى توفير دعم دولى يتناسب مع حجم الأعباء التى تتحملها الدولة.
وأشادوا بتصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال لقائه المفوض السامى للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، خاصة أنها تعيد تأكيد أهمية تفعيل مبدأ «تقاسم الأعباء والمسئوليات»، باعتباره السبيل الأمثل لدعم الدول المستضيفة.
محمد سعد الدين: «القاهرة» تتحمل مسئولية إنسانية واقتصادية نيابة عن العالم
قال الدكتور محمد سعد الدين، رئيس لجنة الطاقة باتحاد الصناعات، إن تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن استضافة مصر أكثر من ١٠.٥ مليون لاجئ ووافد من مختلف الجنسيات، تبرز حجم المسئولية التى تتحملها مصر نيابة عن المجتمع الدولى، ليس فقط على المستوى الإنسانى، وإنما أيضًا على المستويين الاقتصادى والتنموى.
وأضاف «سعد الدين»: «استضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين والوافدين تفرض ضغوطًا مباشرة على موارد الدولة وموازنتها العامة، إذ تتحمل الحكومة تكلفة توفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والمياه والكهرباء والغاز الطبيعى والطرق، فضلًا عن الخدمات الإدارية المختلفة، ما يتطلب استثمارات ضخمة للحفاظ على جودة الخدمات المقدمة لجميع المقيمين داخل الدولة».
وواصل رئيس جمعية مستثمرى الغاز المسال: «قطاع الطاقة يعد من أكثر القطاعات تأثرًا بزيادة أعداد المقيمين، فى ظل ارتفاع الطلب على الكهرباء والغاز الطبيعى والوقود، إلى جانب مياه الشرب بصورة مستمرة، ما يدفع الدولة إلى ضخ استثمارات إضافية فى إنتاج الطاقة وتوسعة شبكات النقل والتوزيع، لضمان استقرار الإمدادات وعدم تأثر المواطنين أو الأنشطة الاقتصادية».
وأشار إلى نجاح الدولة، خلال السنوات الماضية، فى تنفيذ مشروعات قومية كبرى فى مجالات الكهرباء والغاز والطاقة المتجددة، ما مكنها من استيعاب جانب كبير من الزيادة فى الطلب الناتج عن النمو السكانى واستضافة ملايين الوافدين، إلا أن استمرار هذه الضغوط يتطلب موارد مالية إضافية، ودعمًا دوليًا يتناسب مع حجم الأعباء.
ونبه إلى أن زيادة عدد المقيمين تنعكس، كذلك، على معدلات استهلاك السلع والخدمات، ما يستدعى التوسع فى الإنتاج المحلى وتحفيز الاستثمارات الصناعية والزراعية والخدمية لتلبية الطلب المتزايد، مع الحفاظ على استقرار الأسواق والحد من الضغوط التضخمية.
وشدد على أن استمرار الدولة فى تنفيذ مشروعات البنية التحتية، والتوسع فى شبكات الطاقة والمرافق، يمثلان ضرورة اقتصادية وليس خيارًا، للحفاظ على كفاءة الخدمات، واستيعاب الزيادة المستمرة فى أعداد المستفيدين، ما يرفع من حجم الإنفاق الاستثمارى الذى تتحمله الدولة سنويًا.
وأضاف: «مصر تقدم نموذجًا فريدًا فى التعامل مع ملف اللاجئين، إذ لا تقيم مخيمات مغلقة، وإنما تدمج الوافدين داخل المجتمع، ما يسمح لهم بالحصول على الخدمات الأساسية وممارسة أنشطتهم بصورة طبيعية، وهو نموذج إنسانى متقدم، لكنه يضاعف فى الوقت نفسه التكلفة الاقتصادية التى تتحملها الدولة مقارنة بالعديد من الدول الأخرى». واختتم بقوله: «تصريحات الرئيس السيسى تعكس واقعًا اقتصاديًا واضحًا، إذ لا يمكن لدولة واحدة أن تتحمل منفردة تكلفة استضافة ملايين اللاجئين دون مساندة حقيقية من المؤسسات الدولية والدول المانحة، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية، وارتفاع تكلفة التمويل».
عبدالمنعم السيد: الدعم الدولى لا يزال أقل من حجم الأعباء التى تتكلفها الدولة ولا بد من زيادته
قال الدكتور عبدالمنعم السيد، رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، إن استضافة مصر أكثر من ١٠.٥ مليون أجنبى ومهاجر ولاجئ، تمثل واحدة من أكبر التحديات الاقتصادية والمالية التى تواجه الدولة خلال السنوات الأخيرة، خاصة فى ظل استمرار الأزمات الإقليمية والدولية، وما تترتب عليها من زيادة الضغوط على الموازنة العامة للدولة والموارد الاقتصادية. وأضاف «السيد»: «الدولة المصرية تتحمل تكلفة ضخمة لتقديم الخدمات الأساسية لجميع المقيمين على أراضيها دون تفرقة، سواء فى مجالات الصحة أو التعليم أو الأمن أو النقل أو الإسكان أو الكهرباء والمياه والصرف الصحى، ما يتطلب مخصصات مالية واستثمارات متزايدة للحفاظ على جودة الخدمات، واستمرار كفاءة البنية التحتية».
وأفاد بأن العديد من الدراسات الاقتصادية يقدر التكلفة السنوية المباشرة وغير المباشرة لاستضافة هذا العدد الكبير من الوافدين، بما يتراوح بين ٥ و١٥ مليار دولار سنويًا، وهى تكلفة تشمل الإنفاق على الخدمات العامة، وتوسعة شبكات المرافق، وتطوير المستشفيات والمدارس، وزيادة الاستثمارات الحكومية لاستيعاب النمو السكانى الناتج عن تدفقات اللاجئين والمهاجرين. وأشار إلى أن استضافة ملايين الوافدين ترفع معدلات الطلب على السلع والخدمات، ما ينعكس على قطاعات متعددة، أبرزها سوق الإسكان، التى شهدت زيادة فى الطلب على الوحدات السكنية والإيجارات، إلى جانب ارتفاع استهلاك الطاقة والمياه والوقود ووسائل النقل، ما يفرض أعباء تشغيلية واستثمارية إضافية على الدولة.
ووصف النموذج المصرى فى التعامل مع ملف اللاجئين بأنه من أكثر النماذج الإنسانية انفتاحًا على مستوى العالم، إذ لا تعتمد الدولة على إقامة مخيمات، وإنما تدمج اللاجئين داخل المجتمع، ما يتيح لهم الاستفادة من الخدمات العامة أسوة بالمواطنين، لكن ذلك يرفع التكلفة الاقتصادية بصورة كبيرة مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. وواصل: «المساعدات والمنح الدولية المقدمة لمصر تمثلان خطوة إيجابية، لكنهما لا تزالان أقل من التكلفة الفعلية التى تتحملها الدولة، ما يستدعى زيادة التمويلات التنموية والمنح والدعم الفنى». وأكمل: «استمرار مصر فى أداء هذا الدور الإنسانى يتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على تقاسم الأعباء بصورة عادلة، ما يحافظ على قدرة الدولة على مواصلة تنفيذ برامج التنمية والإصلاح الاقتصادى، وفى الوقت نفسه الاستمرار فى تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين والوافدين، وفق أعلى المعايير».
وليد جاب الله: وجود هذه الأعداد يضر بقطاع العقارات ويرفع الإيجارات فى بعض المناطق
وصف الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، استضافة مصر ملايين اللاجئين، بأنه تحدٍ اقتصادى وتنموى كبير، خاصة فى ظل الضغوط التى يواجهها الاقتصاد العالمى وارتفاع تكاليف التمويل وتداعيات الأزمات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن الدولة تتحمل أعباء مالية ضخمة لتوفير الخدمات الأساسية لجميع المقيمين على أراضيها دون تمييز.
وأضاف «جاب الله» أن اللاجئين والوافدين يحصلان على العديد من الخدمات العامة، مثل التعليم والصحة والدعم الخدمى والمرافق الأساسية، ما يرفع من حجم الإنفاق الحكومى على قطاعات الموازنة المختلفة، ويزيد من الضغوط الواقعة على البنية التحتية وشبكات المرافق والخدمات العامة، فى وقت تعمل فيه الدولة على تنفيذ برامج إصلاح اقتصادى وتحقيق الانضباط المالى.
وواصل: «استضافة هذا العدد الكبير من الوافدين تؤدى إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات بصورة ملحوظة، ما يفرض ضغوطًا إضافية على الأسواق المحلية، خاصة فى قطاعات الغذاء والإسكان والنقل والخدمات، الأمر الذى يتطلب زيادة الإنتاج المحلى ورفع كفاءة سلاسل الإمداد؛ حتى لا تتحول زيادة الطلب إلى ضغوط تضخمية تؤثر على مستويات الأسعار».
ونبه إلى أن سوق العقارات من أكثر القطاعات تأثرًا بزيادة أعداد الوافدين، إذ أسهم ارتفاع الطلب على الوحدات السكنية فى زيادة أسعار الإيجارات فى بعض المناطق، فضلًا عن ارتفاع أسعار بعض الوحدات السكنية، ما انعكس على تكلفة السكن بالنسبة للمواطنين، خاصة فى المدن الكبرى والمناطق الأكثر جذبًا للوافدين.
وأكمل: «التأثير لا يقتصر على سوق الإسكان فقط، وإنما يمتد إلى قطاعات التعليم والصحة والمرافق العامة، إذ تحتاج الدولة إلى توفير فصول ومدارس إضافية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، فضلًا عن التوسع فى شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحى والطرق، ما يتطلب استثمارات حكومية مستمرة للحفاظ على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين». واختتم: «وجود أعداد كبيرة من الوافدين يفرض، أيضًا، تحديات على سوق العمل»، لافتًا إلى أهمية تنظيم العمالة الأجنبية، ما يحقق التوازن بين احتياجات الاقتصاد المصرى والحفاظ على فرص العمل للمواطنين، مع الاستفادة من الخبرات والمهارات التى يمكن أن تضيف قيمة للاقتصاد الوطنى.
أشرف غراب: ضغط كبير على الاقتصاد والأمن القومى والخدمات الأساسية
أكد الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادى، أن المنظمة الدولية للهجرة قدرت عدد اللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون فى مصر، حاليًا، بنحو ٩ ملايين و١٢ ألفًا و٥٢٨ مهاجرًا، أى نحو ٩٪ من إجمالى عدد سكان الجمهورية، بينما قدرت إحصائيات أخرى تعدادهم بنحو ١٠.٥ مليون.
وأضاف «غراب»: «هذا العدد الكبير يشكل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد والأمن القومى والخدمات الأساسية، لأن اللاجئ يتمتع بكل الخدمات المتاحة للمواطنين وبنفس التكلفة، وهذا يشكل ضغطًا شديدًا على الخدمات والمرافق العامة، ما يتسبب فى ارتفاع تكلفة وأسعار الخدمات المقدمة للمواطن المصرى فى ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة».
وواصل: «زيادة عدد اللاجئين تؤدى إلى زيادة الاستهلاك المحلى، لأنها تزيد من الطلب على الأسواق بقدر أكبر من العرض بالنسبة للسلع، وهذا يتسبب فى ارتفاع أسعارها وارتفاع معدلات التضخم، خاصة فى ظل بطء سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع عدد السكان المحليين».
وأكمل: «التأثير الثانى يتمثل فى ارتفاع تضخم سوق أسعار العقارات، نتيجة ارتفاع أسعار الوحدات العقارية والإيجارات الشهرية للعقارات، نتيجة الضغط عليها من قبل اللاجئين الذين يمتلكون سيولة نقدية من العملة الصعبة، ما يجعلهم يدفعون أكثر من المواطن المصرى مقابل الحصول على الوحدة العقارية، سواء تمليكًا أو إيجارًا».
وتابع: «يضاف إلى ذلك تأثير اللاجئين على مستوى الخدمات المقدمة للمواطن، لأن وجود أعداد كبيرة من اللاجئين يعنى توفير مقاعد إضافية فى المدارس وإنشاء مدارس جديدة وتزايد كثافة الفصول، ما يضعف من خدمة التعليم، إلى جانب التأثير على الصرف الصحى والكهرباء والغاز والمياه والاتصالات، ومختلف الخدمات الحكومية».
وأتم بقوله: «زيادة أعداد اللاجئين تؤدى إلى استهلاك أغلب الإنتاج المحلى، فلا يفيض جزء ليتم تصديره للخارج، ويصبح الهدف الأول للحكومة تغطية الطلب المحلى الداخلى لمواجهة موجات التضخم المرتفعة، إضافة إلى التأثير على سوق العمل، وانخفاض الأجور بشكل كبير، وزيادة عجز الموازنة العامة».















0 تعليق