مثقفون يجيبون: ماذا لو لم تقم ثورة 30 يونيو؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ بدء اعتصام المثقفين فى مقر وزارة الثقافة بالزمالك وصولًا إلى إعلان الثالث من يوليو، ظل المشهد محتدمًا ومتسارعًا، يمكن اختزاله فى عبارة واحدة: «لحظة فارقة فى تاريخ مصر الحديث»، حيث خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين من الإسكندرية حتى أسوان، حاملين هدفًا واحدًا هو إنقاذ الهوية المصرية وحمايتها من محاولات الطمس والتغيير.

ولم يكن هذا الحراك مجرد احتجاج عابر، بل جسّد إرادة شعبية واسعة، حيث تلاقت أصوات المثقفين مع الجماهير فى مشهد جمع بين السياسة والثقافة والوعى الوطنى، وكان اعتصام وزارة الثقافة رمزًا لهذا التلاقى، إذ تحوّل إلى منصة للتعبير عن رفض سيطرة الجماعة الإرهابية على مفاصل الدولة، وإلى مساحة مفتوحة للنقاش والتفاعل بين مختلف التيارات الفكرية.

وفى السطور التالية، ترصد «الدستور» شهادات المثقفين باختلاف مشاربهم واتجاهاتهم، سواء ممن شاركوا فى اعتصام الوزارة أو من نظموا اعتصامات مماثلة فى المحافظات، لتشكيل صورة واضحة عن مصر وثقافتها فى حال استمر حكم الجماعة، وكيف كان المثقفون يرون مستقبل الوطن لو لم تتوقف تلك الحقبة.

 

  أحمد سويلم:  السجن أو القتل مصير كل فنان ومثقف ومبدع

ثار المثقفون على حكم الإخوان حينما عينوا وزيرًا منهم فاقد الرؤية، ضحل الثقافة، وأسرع عدد منهم واعتصموا فى مبنى الوزارة بالزمالك.

وفى مساء ٢٦ يونيو ٢٠١٣ دعا محمد سلماوى، رئيس اتحاد الكتاب، أعضاء مجلس الإدارة لاجتماع طارئ، وكان الموضوع الأهم فى هذا الاجتماع هو سحب الثقة من محمد مرسى.

ولم يستغرق الاجتماع طويلًا فقد وافقنا بالإجماع على ذلك، وانطلقت بصفتى سكرتيرًا عامًا للاتحاد ومعى بعض أعضاء المجلس إلى مبنى وزارة الثقافة والتقينا المعتصمين وأبلغتهم قرار المجلس، وبهذا كان الاتحاد أول كيان ثقافى يسحب الثقة من رئيس الدولة.

وأعتقد أن الإخوان كانوا يخططون فى حكمهم للتخلص من كل مبدع وفنان ومثقف، إما بالسجن أو القتل، وبهذا يقضون على شريان الحياة الذى يغذى العقول ويجدد الوعى، وبهذا يتمكنون من التأثير على البشر بما يملكون من دعاية دينية زائفة.

عمرو منير:  سيطرة خفافيش الظلام على كل مفاصل الدولة

 

شاركت فى اعتصام المثقفين بوزارة الثقافة عام ٢٠١٣، وكنت أعد هذه المشاركة حلقة فى مسار بدأ قبلها فى وقفة اتحاد كتاب مصر يوم ٣ مايو ٢٠١٢، دفاعًا عن حرية الإبداع وحق الكاتب والفنان فى التعبير.

فى وقفة اتحاد الكتاب حملت لافتة كتبت عليها: «الحرية أساس الفضيلة» و«يسقط خفافيش الظلام».

كانت تلك اللحظة بالنسبة لى جزءًا من معركة استعادة الوعى وعودة الروح إلى مصر، فى مواجهة محاولات الوصاية على الفن والفكر والخيال والكتابة. قلنا يومها لا لخفافيش الظلام، ولا لكل محاولات تزييف الوعى وشل الإرادة وإهدار المقدرة وفرض منطق العتمة على واقعنا.

ثم جاء اعتصام وزارة الثقافة فى يونيو ٢٠١٣ ليضع المثقفين فى قلب المشهد الوطنى. كنت هناك مع لفيف من الكتاب والفنانين والأصدقاء، من بينهم أحمد عبدالعزيز، ومحمد السيد عيد، وطارق النعمان، وخالد يوسف، وأحمد فؤاد نجم، وإيناس عبدالدايم، ووجوه عديدة يصعب حصرها من رموز الثقافة والفن والإبداع فى مصر، كان الشعور العام أن البلاد تمر بلحظة مفصلية، وأن الوقوف فى خندق واحد مع الإرادة الشعبية صار واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا.

أحكمنا حضورنا حول مبنى وزارة الثقافة فى شارع شجرة الدر، فى دلالة تاريخية عميقة؛ كأن شجرة الدر تستعيد رمزيتها فى حماية الوطن وقت الخطر، كان المكان نفسه يحمل ذاكرة مقاومة، وكانت الوزارة فى تلك اللحظة أكثر من مبنى إدارى؛ صارت علامة على مصر التى تدافع عن وعيها ووجدانها وحريتها.

ما بقى فى ذاكرتى من الاعتصام هو ذلك الإحساس النادر بأن المثقف استعاد موقعه الطبيعى فى لحظة خطر، وزارة الثقافة تحولت إلى ساحة رمزية للدفاع عن مصر كلها. أتذكر الوجوه والهتافات والقلق والحماس، أتذكر صورتى داخل مكتب الوزير وخلفى علم مصر، وكأن الصورة تختصر معنى اللحظة: كاتب وباحث داخل مؤسسة ثقافية فى لحظة مواجهة، وخلفه علم الوطن.

 

زين عبدالهادى:  مصر كانت ستتحول إلى دولة ثيوقراطية شمولية

لم تكن المشاركة فى الثورة للمثقفين خيارًا مفتوحًا، بل كانت اختيارًا حتميًا، كان التغيير هو الهاجس المسيطر، فلا يمكن السماح بدولة دينية يحكمها الإخوان.

أتذكر تلك الليالى التى نمنا فيها جميعًا على سلالم وزارة الثقافة والحوارات الصاخبة حول حتمية الوصول للدولة المدنية، وهكذا قادت الثقافة الحركة الثورية.

لم أتخيل مصر يومًا دولة دينية، بل فى نهاية القرن التاسع عشر ومئوية القرن العشرين ونحن نتحدث تقريبًا عن ١٧٠ عامًا من الدولة المدنية سواء فى الحكم الملكى أو الجمهورى، كام ذلك أمرًا مفروغًا منه للمثقفين، لا يمكن التفكير فى دولة ثيولوجية، فى ظل الحرية العقائدية والفكرية والسياسية والثقافية التى اتسم بها النصف الثانى من القرن التاسع عشر والقرن العشرين كله، السماح بدولة دينية متخفية فى حصان طروادة. 

لم يكن أمرًا مقبولًا تحت أى ظرف للمثقفين المصريين، هذا ما اتفقنا عليه جميعًا فى جلسات تمت داخل وزارة الثقافة وأروقتها فى ذلك الوقت، كانت تلك المهمة الأساسية التى شعرنا بأنها محملة فوق أكتافنا، ناهيك عن أقلام جميع المثقفين المصريين التى دعمت هذه الثورة.

سمير الأمير:  «الأخونة» مصير كل المناصب المهمة

لم أشارك فى الاعتصام بالقاهرة ولكننى كنت معتصمًا بشكل دائم فى تلك الفترة بميدان أم كلثوم فى المنصورة، لا أكاد أغادره لأننى كنت مسئولًا عن الإعلام من قبل  جميع الأحزاب المشاركة فى رفض حكم  الإخوان، وبشكل أكثر من قبل جبهة الإنقاذ، حيث عهد إلى بالأمر العالم الجليل الدكتور محمد غنيم، وكان لدينا محافظ تم تعيينه من قبل الإخوان فدعونا الجماهير لحصار المبنى وعدم تمكينه من دخول المحافظة.

 ثم توجهت ضمن وفد تم تشكيله من جميع القوى السياسية لمقابلة الملحق العسكرى لمحافظة الدقهلية، ورشحنى الزملاء المشاركون للتحدث إلى الرجل، فبدأت حديثى  بالكلام عن تاريخ ارتباط الجيش المصرى بأحلام وآمال هذا الشعب العظيم منذ العصور القديمة.

وقلت للملحق العسكرى بالمحافظة إن هذه مسألة جوهرية فى بنية الدولة المصرية الحديثة لأن محمد على ربط التحديث فى الصناعة والزراعة والتعليم بالجيش.

 وبعدها عدت إلى مقر لجنة الإعلام  وتحدثت مع الجماهير المحتشدة بالميدان ناقلًا لهم ما دار، ومطمئنًا لهم بأن القوات المسلحة على وعى تام بمطالب الناس، وأنها تُطمئن الجميع بأنها لن تتخلى عن مطالبهم برفض الأخونة، وأن المحافظ الجديد المعين من قبل الإخوان لن يدخل المبنى.

كانت الطائرات تعلو سماء الميدان وتقوم بالتصوير حيث امتد اعتصام الناس فى ميدان أم كلثوم، وكان يعرف حينها بميدان الثورة، وامتدت الجماهير المحتشدة لمسافة تقطع كل شارع الجيش من الاستاد وتتجاوز مبنى المحافظة لشارع الجمهورية.

إلهام سيف الدولة: تحول قصور الثقافة لمنصات دعوية

لم أشارك ميدانيًا فى خيمة اعتصام مقر وزارة الثقافة بالزمالك صيف ٢٠١٣، لكنى كنت أتابع ما يحدث من مكتبى وأنا أُعد بحثًا عن الخطاب السياسى للجماعة، وكل بيان يصدره المعتصمون كنت أطبعه وأضعه فى ملف على مكتبى بعنوان «وثائق الوعى».

كنت أكتب الهوامش بقلمى وأشعر بأنى أشاركهم الاعتصام، حتى لو لم أشاركهم الكرسى البلاستيك، فالاعتصام لم يكن حدثًا مكانيًا فقط، كان معركة فكرية خاضها كل مصرى آمن أن الثقافة خط أحمر.

تبقى فى ذاكرتى ٣ صور لا تُمحى لتلك الأيام: أولها صورة الإرادة: مثقفون بلا سلطة ولا ميزانية وقفوا أمام جرافة سياسية تحاول «أخونة» قصور الثقافة.

ثانيها هى صورة الاتحاد: لأول مرة رأيت يساريًا وقوميًا وليبراليًا يتشاركون كوب شاى واحد تحت لافتة «الثقافة للجميع».

ثالثها صورة الرسالة: حين تحول قصر الثقافة من مبنى حكومى إلى «منبر شعب»، فالميكروفون المفتوح، والندوات اليومية، والكتب توزع مجانًا، كانت بروفة ٣٠ يونيو: شعب يقرر مصيره بنفسه. ماذا لو استمر «الإخوان» فى الحكم؟، الإجابة واضحة من مشروعهم: كانت الثقافة ستتحول من «حق» إلى «أداة»، وعلى مستوى المؤسسات: قصور الثقافة ستفقد استقلاليتها وتصبح منصات دعوية.

على مستوى العقل: الرقابة الأيديولوجية ستقتل الإبداع قبل ولادته، والفنان سيُسأل: «هذا حلال أم حرام؟» قبل «هذا جميل أم قبيح؟».

ماجد عزت:  تكميم الأفواه.. وتراجع حرية الفن والإعلام

كان اعتصام المثقفين عام ٢٠١٣ لحظة فارقة فى تاريخ مصر الحديث، لأنه لم يكن مجرد موقف احتجاجى محدود، بل كان إعلانًا واضحًا بأن الثقافة المصرية ترفض أن تُختزل هوية الوطن فى اتجاه واحد أو فكر مغلق.

لم تكن القضية وقتها سياسية فقط، بل كانت معركة على روح مصر، وعلى حق المصريين فى الحرية والفن والإبداع والتنوع والحياة الكريمة، فقد مثّل المثقفون والنخبة الواعية فى ذلك الوقت ضمير المجتمع، واستطاعوا أن ينقلوا ثورة ٣٠ يونيو إلى صورة أعمق من مجرد خروج شعبى، لتصبح واحدة من تجليات الثورات الكبرى التى تدافع عن حرية الإنسان وكرامة الوطن.

كان اعتصام المثقفين شرارة رمزية مهمة، لأنه كشف عن أن الخطر لم يكن على السلطة وحدها، بل على العقل المصرى، وعلى الفن والإعلام والتعليم، والهوية الوطنية الجامعة.

وفى ذاكرتى، يبقى هذا الاعتصام شاهدًا على أن الكلمة قد تكون أحيانًا أقوى من الهتاف، وأن المثقف الحقيقى لا ينعزل عن شعبه، بل يقف فى اللحظة الصعبة مدافعًا عن وعى الناس وحقهم فى المستقبل.

لو استمر «الإخوان» فى حكم مصر أعتقد أن المشهد الثقافى كان سيتعرض لضغط كبير، وربما كانت ستُكمم أفواه كثيرة، وتتراجع حرية الفن والإعلام، ويصبح الإبداع محاصرًا برقابة فكرية ودينية ضيقة. 

 

أحمد فضل شبلول:  كنا سنصبح تجربة ممسوخة من بلاد أخرى

كثيرًا ما كنت أسأل نفسى: ماذا لو استمر «الإخوان» فى الحكم حتى الآن؟ وأتخيل سيناريوهات كثيرة لو حدث هذا فرضًا، منها أننا سنجد الدولة المصرية قد تفككت أوصالها، وصرنا أحزابًا وشيعًا كثيرة تتقاتل وتتحارب وتتصارع وتتحزَّب، ووجدنا الكثير من الأغراب فى البلد لا نعرف أصلًا لهم ولا فصلًا، ووجدنا قوانين كثيرة وأحكامًا وأعرافًا غريبة تطبق على المصريين دون مراعاة تاريخ هذا البلد ولا جغرافيته، ولا خصوصيته وثقافته.

كنا سنجد أفكارًا وأقوالًا وتجارب منسوخة وممسوخة من بلاد أخرى تُطبق على المصريين فى حياتهم اليومية، وسيجد معظم المصريين أنفسهم غرباء فى بلادهم، وربما لا نجد اسم مصر أصلًا فى شعارات ولافتات مثل هذه الدولة، وربما تتغير الحدود بالانكماش الكبير، والتقسيم الخطير، ويتم التلاعب فى الهوية المصرية نفسها.

عندما بدأتُ أقرأ بعض المراجع وأعودُ إلى بعض المصادر لإنجاز روايتى الأخيرة «المقبرة ٥٥»، والتى تدور أحداثها فى عصر أخناتون فى الأسرة الثامنة عشرة، وجدتُ أن ما حدث فى عصره كان يمكن أن يحدث فى عصرنا، حيث وقف كهنة طيبة «الأقصر»، والتى كانت هى العاصمة المصرية فى ذلك الوقت، أمام دعوة التوحيد، وحاربوا الفكر الأخناتونى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق