فى منطقة تضج بالصراعات وتتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية، لم يكن الحفاظ على توازن الدولة المصرية مهمة سهلة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لصلابة القرار السياسى وحنكة القيادة. وبين محاولات مستمرة لجرّ مصر إلى ساحات صراع مفتوحة، برزت ملامح نهج مختلف، قائم على الوعى العميق بطبيعة اللحظة، والإدراك الدقيق لحجم التحديات، والقدرة على المناورة دون التفريط فى الثوابت.
لقد واجهت مصر، خلال السنوات الأخيرة، ضغوطًا متزايدة، بعضها مباشر وبعضها مغلف برسائل دبلوماسية، أو تحركات إقليمية تبدو فى ظاهرها عادية، لكنها تحمل فى طياتها احتمالات التصعيد والانزلاق نحو مواجهات لا تخدم الاستقرار. فى قلب هذه المعادلة، كان الرهان الأكبر على قدرة القيادة السياسية على قراءة المشهد، ليس فقط كما يبدو، بل كما يُراد له أن يكون.
اللافت فى أداء الدولة المصرية أنه لم يتم جرها أو توريطها لاتخاذ ردود أفعال متسرعة، رغم الاستفزازات وتعدد بؤر التوتر المحيطة. فبدلًا من الانخراط فى صراعات مفتوحة، اختارت الدولة المصرية طريقًا أكثر تعقيدًا، لكنه أكثر أمانًا، طريق التهدئة، وإدارة الأزمات، والحفاظ على خطوط اتصال مع جميع الأطراف، حتى فى أصعب اللحظات، ولمَ لا؟ وقائدها هو الرجل الذى كان يتولى مهمة الأمن فى أصعب وأحلك الظروف التى مرت بها البلاد.
هذا النهج هو انعكاس لفهم عميق بأن الحروب فى هذا التوقيت لم تعد مجرد مواجهات عسكرية، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، وأن أى انزلاق غير محسوب قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. ومن هنا، كان التعامل مع الأزمات يتم بمنطق «الاحتواء الذكى»، الذى يمنع التصعيد دون أن يمنح الآخرين فرصة فرض أمر واقع.
وفى أكثر من محطة، بدا واضحًا أن هناك محاولات لدفع مصر إلى مواقف حادة، سواء عبر الضغوط الإعلامية، أو عبر استدراجها إلى اصطفافات إقليمية حادة، أو حتى عبر خلق أزمات متسارعة تضعها أمام خيارات صعبة. لكن ما حدث فعليًا هو العكس؛ إذ تم تفكيك هذه الضغوط بهدوء، وإعادة توجيه بوصلة الأحداث نحو مسارات أقل تصادمًا.
الدهاء السياسى هنا لم يكن فى تجنب الصدام فقط، بل فى القدرة على تحويل الضغوط إلى أوراق قوة. فحين تتعامل دولة بحجم مصر مع محيطها بمنطق الاتزان، فإنها لا تحمى نفسها فقط، بل تفرض نفسها كرقم صعب فى معادلة الاستقرار. وهذا ما جعلها طرفًا أساسيًا فى جهود التهدئة، بدلًا من أن تكون طرفًا فى الصراع، واستخدم الرئيس الخداع الاستراتيجى مع الكل داخليًا وخارجيًا عندما قال إنه ليس رجل سياسة ليتضح أنه «معلم».
كما أن هذا الأداء كشف عن إدراك واضح بأن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بالقدرة على الدخول فى الحرب، بل بالقدرة على تجنبها حين تكون كلفتها أعلى من مكاسبها. وهى معادلة دقيقة، تحتاج إلى شجاعة من نوع خاص، شجاعة القرار الذى يرفض الانسياق خلف اللحظة، ويتمسك بحسابات الدولة طويلة المدى.
وفى الوقت الذى كانت فيه بعض القوى تسعى إلى توسيع دوائر الاشتباك، كانت مصر تتحرك فى الاتجاه المعاكس، تعمل على تضييق هذه الدوائر، وتمنع تحول الأزمات إلى حروب شاملة. وهو دور لا يلفت الأنظار دائمًا، لكنه الأكثر تأثيرًا على الأرض، لأنه يحفظ الأرواح ويمنع الانهيار.
إن ما جرى لم يكن مجرد إدارة تقليدية للأزمات، بل هو نموذج لسياسة قائمة على الذكاء الاستراتيجى، والقدرة على قراءة ما بين السطور، والتعامل مع عالم لا تحكمه النوايا بقدر ما تحكمه المصالح. وبين محاولات الإغراء بالتصعيد، وضغوط الواقع المعقد، نجحت مصر فى عبور حقل الألغام دون أن تنفجر، وهو إنجاز لا يُقاس بما لم يحدث بقدر ما يُقاس بما تم تجنبه.
وهنا تتجلى قيمة القيادة التى تعرف متى تتحرك، ومتى تصمت، ومتى تقول «لا» فى توقيت يحمى الدولة من الانزلاق إلى معارك ليست معاركها، ويُبقيها فى موقع الفاعل لا المنفعل، وصانع التوازن لا ضحيته.
لا يمكن فهم نمط اتخاذ القرار فى الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، دون التوقف أمام الخلفية الأمنية والمخابراتية للرئيس، وهى خلفية تركت بصمات واضحة على طريقة قراءة المشهد، وإدارة الأزمات، والتعامل مع التهديدات المركبة التى تحيط بالمنطقة.
هذه الخلفية لا تعنى فقط خبرة فى جمع المعلومات، بل تتجاوز ذلك إلى منهج تفكير قائم على تحليل المعطيات قبل إعلان المواقف، والاعتماد على تقدير الموقف الشامل، لا الانفعال اللحظى. فالعقلية المخابراتية بطبيعتها تميل إلى الشك المنهجى، وطرح كل الاحتمالات، وهو ما ينعكس فى قرارات تتسم بالحذر المدروس، حتى فى أكثر اللحظات توترًا.
أحد أبرز ملامح هذا التأثير هو القدرة على قراءة ما وراء الأحداث. فبدلًا من التعامل مع الأزمات باعتبارها وقائع منفصلة، يتم ربطها بسياقات أوسع، وفهم من يقف خلفها، وما الهدف الحقيقى منها. هذا النوع من التفكير ساعد على تجنب الوقوع فى «الفخاخ الاستراتيجية» التى تُنصب أحيانًا لدفع الدول إلى ردود أفعال تخدم أطرافًا أخرى.
كما يظهر التأثير بوضوح فى إدارة ملف الأمن القومى، حيث يتم التعامل معه باعتباره منظومة متكاملة تشمل الداخل والخارج، وليس مجرد رد فعل على تهديد مباشر. فالتعامل مع الأزمات الإقليمية، مثل التوترات فى الجوار، يتم بمنطق الاحتواء والردع غير المباشر، بدلًا من الانخراط الفورى فى صدامات مفتوحة.
ومن السمات اللافتة أيضًا، الاعتماد على «الصبر الاستراتيجى». وهى سمة ترتبط كثيرًا بالعمل المخابراتى، حيث لا تكون السرعة دائمًا هى الخيار الأفضل، بل التوقيت الدقيق. لذلك، كثيرًا ما تبدو بعض القرارات وكأنها تتأخر، لكنها فى الواقع تأتى فى لحظة محسوبة، تحقق أكبر قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكنة.
كذلك، تميل هذه الخلفية إلى تقليل الاعتماد على التصريحات العلنية، مقابل التركيز على التحركات الهادئة خلف الكواليس. فالدبلوماسية الصامتة، وفتح قنوات اتصال متعددة، حتى مع أطراف متباينة، يُعدان أدوات أساسية فى هذا النمط من التفكير، لأنهما يتيحان إدارة التوازنات دون تصعيد إعلامى قد يحد من الخيارات.
ولا يمكن إغفال أن هذه العقلية تمنح أولوية كبيرة لمفهوم «الاستقرار»، باعتباره الأساس الذى تُبنى عليه بقية السياسات. فالدولة التى تنشغل بصراعات مفتوحة تفقد قدرتها على التخطيط طويل المدى، وهو ما يفسر الميل الواضح لتجنب الانزلاق إلى حروب، مهما كانت الضغوط.
لكن فى المقابل، هذا النمط قد يُفسَّر أحيانًا من قبل البعض على أنه تحفظ زائد أو بطء فى اتخاذ القرار، خاصة فى بيئة إعلامية تميل إلى السرعة والوضوح الحاد. إلا أن منطق العمل الأمنى يرى أن الإفراط فى الكشف أو التسرع فى الحسم قد يكون مكلفًا على المدى الطويل.
إن الخلفية المخابراتية للرئيس السيسى أسهمت فى تشكيل نموذج خاص فى الإدارة، يقوم على المزج بين الحذر والمرونة، وبين الصمت والفعل، وبين تجنب المخاطر واستثمار الفرص. وهو نموذج يتناسب مع طبيعة مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، حيث لا تكون القوة فى المواجهة فقط، بل فى القدرة على تجنبها أو إدارتها بأقل الخسائر الممكنة، بل وتحقيق مكاسب للأمن القومى المصرى، فيكفى أن خطوطه الحمراء التى وضعها لم يستطع أحد تجاوزها، وأنه وقف وحيدًا ضد مخططات التقسيم والتهجير.
حفظ الله مصر.. حفظ الله الرئيس السيسى.














0 تعليق