لم يكن يراها منذ سنوات طويلة. لم تطفُ على السطح حتى للحظات؛ غاصت في قاع النفس حتى أدركها العطب والنسيان. كل معنى كانت تلهمه إياه تلاشى من ذاكرته. لمسة يدها طمستها أيادٍ كثيرة. نسي أنها مرّت يومًا، ولو كطيف برق سريع، من أمام قلبه المتآكل.
وذات مساء، كان يتصفح صفحته على فيسبوك. لم تكن جملة «إضافة صديق» تستوقفه أبدًا؛ لم يرسل لأحد طلب صداقة، ولم يرفض طلبًا أرسله أحد إليه.
كانت صورة طفلة ظن أنه يعرفها. دقق النظر إليها. أيمكن أن تكون هي؟
لكنه الآن في .....
كانت صورتها وهي طفلة؛ شعرها الناعم وعيناها السوداوتان الواسعتان. نظر إلى الاسم، فإذا بها تحمل اسم ...... كانت نسخة من أمها.
ابتسم دون أن يدري لماذا.
نفض القلب عن ذكرياته القديمة التراب، وبدأت تطفو على سطح الذاكرة.
ها أنتِ ماثلة أمامي، راسخة في ذاكرتي، قائمة هناك بين حنايا الضلوع. أراكِ بعين قلبي الذي لا يخطئ أبدًا؛ أراكِ جملةً وتفصيلًا، بلا زيادة ولا نقصان، كما كنتِ دائمًا وأبدًا: عيناكِ الغارقتان في حنين لا ينتهي، وشفتاكِ اللتان ترتجفان من الحياء، ووجنتاكِ جمرتان تشعلان في دمي حرائق الهوى، حتى تصيبني في مقتل.
أتذكرين؟ كم كنت أعاني الحب حين كان يلتصق بأهداف عينيكِ، فأعجز عن الفرار، ويظل يطعنني حتى يصرعني. أتذكرين كيف كنت أمامكِ مجرّدًا من كل شيء إلا قيود نظرتكِ؛ تطوّقني وتعتصرني حتى أنزف خليطًا من العشق والهوى، وأهوي على أرض الضياع؟
أمدّ يدي إليكِ، وأنتِ واقفة في كبرياء، أستغيث بكِ، فلا ألقى إلا الجمود. صفعات من بركان ملتهب تذيب ما تبقى من وجهي القديم، فلا يبقى منه إلا ذكرى تعصي عليّ النسيان، وتؤرّق قلبي بين حين وآخر، وتفتح أبواب الجحيم، فتهب منها رياح تكدر صفو الليالي.
نعم، أعترف أن في قلبي، إلى الآن، ذلك الدبيب القديم. يستخفّ بي، وفي غفلة من أمري أراه قد صار ماردًا يريد أن يلتهمني. وكلما حاولت أن أتجاهله، ألحّ في إصرار، وانتزع مني بعضي، وأعمل في نفسي سكينه الحاد، ونال مني.
ولا أدري لماذا، بعد كل هذه السنوات، ما زال يطاردني ويعبث بي، ويجعلني ألهث وراءه من التعب والأرق والخذلان.
بعد أن تظن أن قلبك قد تاه في زحمة الأيام، وداسته أقدام العابرين حتى سوّته بالأرض، تكتشف أن كل ظن وهم. وأنك، مهما تقدمت في العمر، قد تظل عاجزًا عن دفن ما ظننته مات.
ومع ذلك، يخدعك الحب بعد كل هذا، ويؤملك من جديد، ويسوقك أعمى إلى عالمه. يهزأ بك، ويستضعف قلبك، ويلهو بعواطفك، ويقول لك إن لديه القدرة على هزيمتك، حتى بعد أن بلغت من العمر ما كنت تظن معه أنك أصبحت بعيدًا عن ألاعيبه.
يضحك بصوت عالٍ، وهو يرى عزمك وقد صار هباءً، وقوتك وقد تحولت إلى وهن. تتخبط بين غرف قلبك المذبوح، وتنكر حالك، بينما يفضحك قلبك ويخبرك بكذبك.
وأنت غير قادر على إنقاذ نفسك من شفرات أهدابها المميتة. سهم واحد تطلقه من عمق عينيها، فيصيب القلب، ويعيد كل شيء إلى مكانه القديم.
فحين تعلن الحرب، تكون ساحتها قلبك وروحك. تثير غبارها عينيك، فتمضي تضرب بعشوائية حتى تصيب نفسك. تقتل نفسك بيديك، وتشُق روحك بنبضاتك. أنت أنت، كأنك تمسك بالسلاح وتغرسه في قلبك؛ تموت ثم لا تموت، تحيا ميتًا، وتموت حيًّا.
وتمد يدك إلى الآخرين لتتلقى عزاءك، بعد أن مشيت في جنازتك، وقبرت روحك، وخرجت من قبرك جسدًا خاويا، لا يحمل منك إلا بقايا رجل كان يظن، ذات يوم، أنه قد نجا من الحب.
خالد دومة يكتب: ظنَّ أنَّه نجا
خالد دومة يكتب: ظنَّ أنَّه نجا
إقرأ أيضاً

















0 تعليق