خالد دومة يكتب: العاشقة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أتُراه يسمع لكلماتي؟ أناشيد قلبي, حين تُرتل باسمه في ليالي الشتاء, وهي تُصغي لصوت المطر, يسقط من سحابة خرساء, تكتم أنينا يضرب جنبات نفسها العاشقة؟ ليتهُ يصغي لحديث قلبي المفطور, حين ينادي، ولا يجيبه سوى صدى يحفر فيَّ وادياً من عذاب, يسير فيه الشقاء جاريا متدفقا, يطليه بسواد أبدي, أتراه يوما يستجيب لغنائي الحزين, رنين ألحانه المُتقطّعة, تتخللها سيل من دموع, أتراه يراني وكل منا على الجانب الأخر من البحر, وأمواج عاتية, تحجب الرؤيا, وتنذر برياح الموت, تمحو أثار ما ذرفته الأوردة, أتُراه؟ أنني اليأس, يكتنفني ويملأني.

 

كنت إذا ما صحوت, أرسلت له أول تنهيدة, أول نفس يخرج من حلقي، من صدري المقتول, وفي المساء صورته تغزوني, وحين تملأني, أرتفع ويُغرقني الخيال, هنا نتقابل, وهنا نشرب الشاي, نأكل الحلوى, يضع في فمي السكر, طعام شفتي قبلة عبر الهواء, تعطر أنفي, وجهي, يُنعش الوجنتين وتلتمع العينين, وأدور, أذوب أرتفع في الهواء, يحملني إلى بلاد بعيدة, على بساط من السحر.

 

كان الخيال يأخذني, وكنت قطعة ليّنة في هواه, يُصنف منها ما يشاء, عروسة صغيرة, لعبة تتقاذفها الأيدي البريئة, كان يحلو لي أن يغازلني طيلة مساء كامل, حتى مطلع النسمات من فجر يوم جديد, أهيم له, وأهيم به, وأنصت إليه وإلى هواه الجارف, يقتحمني ويحتل أركاني, ويصير ملكا متوجا بعروق دمي ونبضي, أراه في رأسه أتحسسه من القرب, وأقبله فوق جبينه الأملس, أحترت في خيالي يحن, يضللني كل مساء, وهو يعلم أنني غارقة فيه, فيكف عني كي أستفيق, ينثر فوق وجهي المياه, يوقظني من حلمي العتيق, أن يطرده يلاحقني أينما كنت, وحيثما كنت, أفر منه تحت عباءة الشمس في وضح النهار, كي يراني, ويظل يطاردني كي أعيش كي أظل على العهد القديم, الذي أخذه قلبي على نفسه, أن يظل يؤرقني إلى أن أموت, أفنى بعشقه, أوسد في التراب, ليكتب الطبيب سبب وفاتي, أنني كنت عاشقة, وأن قلبي أحتمل على قدر الإمكان.

 

ثم إنه ظل يناضل إلى أن أعلن استسلامه إلى أخر نبضة يحملوني فوق نعش الجمال, أغرد كما كنت إلى مأويا الأخير, تزفني أجنحة من السماء, ترفرف حول جسدي الممدد, المحمول على أعناق الشقاء, وحين يضعوني في قبري تنهض روحي تكمل المسير, فالطريق طويل وأحراشه مظلمه, والطين يلتصق بالأقدام من هول الخوف, رحلة أخرى, وعشق متواصل, يؤدي رسالته، لو كان يسمع؟ يصغي لكان لي شان أخر، أعاود الوهم وأتعاطاه كي أعيش بلا حياة.

 

حُكم علي بأن أظل في تيهي الدائم, أبكي وأصرخ, ولا صدى لكلماتي, سوى صفير الريح بِدَوِيه المخيف يوقظ في القلب نارا تحرق وتبتلع, لكنه لا يحرق النور, فالنور دائما يفوز يعلو على كل شيء, النور يضيء, لكنه لا يحرق, والنار تضيء بفناء الأخرين, تهشم الرؤوس وتحطم الأجساد, وتفني ولكنها لا تستطيع أن تفني النور, تغتال الحقيقة القائمة في أصلاب البشر.

 

أن تجتذب إليه أن ترتاح لمرأه, إنه يعجز أن يفنيه لأن له البقاء, فنداءه لا يموت يدور في الأرجاء, يرحل من هنا إلى أي مكان, لكنه لا يموت, لا يفنى ..أتراه؟ لكني دائما أتوهم، أريد أن أصحو على الحقيقة, إنه لن يعود, لن يسمع صوتي المكتوم, لن يرى عيني من بعيد, المسافة شاسعة بيننا, كوني أراه لا يعني أنني أراه, وأمنيتي أن يراني لن يكون لها صدى إلا في نفسي التائه, إنه لن يراني, فالصوت خافت, والنار المشتعلة تأكل كل ما تستطيع, كل ما له معنى, لن يصله شيء من هوايا من جنوني وخيالي المصروع.

أخبار ذات صلة

0 تعليق