خالد دومة يكتب: محراب النغم

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ماذا توحي الموسيقى في نفوس البشر؟.. إنها في ظاهرها ألحان، وأصوات، وأنغام تستقبلها الآذان، لكنها في أعماق الصدور تتحول إلى كلمات لا تُقال، وأفراح لا تُوصف، وأشجان لا تجد لها تعبيرًا. إنها لغة كاملة، لها قاموسها الخاص، وترجماتها التي لا تشبه أي ترجمة، وعالمها الذي يضج بالحياة، رغم أنه يخلو من الحروف والكلمات.
الموسيقى هي لغة المشاعر والأحاسيس؛ لغة لا تملك لسانًا ينطق بما تخبئه في القلوب. إنها موجات لا تُرى، لكنها تهز الأرواح، وتوقظ في النفس معاني تعجز الكلمات عن حملها. قد تسمع لحنًا واحدًا، فإذا به يوقظ في داخلك تاريخًا كاملًا بأفراحه وأحزانه، بحروبه وسلامه، بوجوه أحببتها وأماكن ظننت أنك نسيتها. ولو حاولت أن تنقل ما أثاره ذلك اللحن بالكلمات، لعجزت المجلدات كلها عن احتواء صداه.
إنها عالم قائم بذاته، لكنه يتداخل مع عوالم أخرى تسكن الإنسان. فمن العجيب أن يتفاعل اللحم والدم مع الموسيقى، ثم ينعكس ذلك كله على النفس، فتتبدل أحوالها في لحظات. إنها رحلة من عالم إلى عالم، ومن سماء إلى أخرى، ومن دنيا إلى دنيا. رحلة روحية يبقى فيها الجسد على الأرض، في غرفة ضيقة لا يضيئها إلا خيط باهت من الضوء، بينما تمضي الروح بعيدًا، إلى فضاء لا بداية له ولا نهاية.
هناك، تتجاوز الروح حدود المكان، وتقطع آلاف الكيلومترات في ثوانٍ، وتظل تشق آفاقًا وراء آفاق، بلا أسوار ولا حدود. فما أعجب أن يكون طريق تلك الرحلة كلها هو الأذن! يدخل اللحن من منفذ صغير، فإذا به يفتح كونًا لا ينتهي.
الموسيقى ليست أصواتًا فحسب، بل قراءة بلغة الأذن، وتحولات بلغة المشاعر. إنها صوت يحرك القلوب؛ فتنتشي، وتهتز، وترقص، وتعلو، ثم تهبط في لحظة أخرى إلى أعماق الحنين، فتستدعي الدموع، وتثير الشجن، وتضيق بالنفس حتى تكاد تختنق. لكل لحن حاله، ولكل نغمة أثرها، ولكل مقام طريقه إلى القلب.
كيف تستطيع الموسيقى أن تملأ النفس بالمعاني، ثم تفرغها من كل معنى في اللحظة نفسها؟ كيف تقبض القلب ثم تبسطه، وتحرك بينهما من الأحوال ما لا يحصى؟ إنها نوافذ تنفتح للروح، وأبواب تدخل منها السكينة حينًا، والحنين حينًا آخر، وربما الألم الذي يطهر القلب ويعيد إليه صفاءه.
إنها سحر خفي يتسلل إلى النفوس، فيلونها بألوان لا تراها العين، لكنها تشعر بها. مرة يكسوها البياض، ومرة يوشحها بالحزن، ومرة يبعث فيها دفء الأمل أو وهج الشغف. لم تكن الموسيقى يومًا مجرد أصوات؛ إنها تحفر في الأعماق، وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتلقي في قلبه ما تعجز عنه الخطب والكتب.
ولعلها اللغة الوحيدة التي يتحدث بها البشر جميعًا دون اتفاق سابق، ودون حاجة إلى ترجمة. لغتها هي الروح، ولهجتها هي الإحساس. ولو ضربنا في أعماق التاريخ، فلن نجد لغة أقدم أثرًا منها في حياة الإنسان؛ فقد صاحبت وجوده منذ بداياته، وستبقى ما بقيت فيه القدرة على الشعور.
إن الإحساس بالموسيقى جزء من الطبيعة الإنسانية، كما أن السمع والبصر جزء من الجسد. فنحن نشعر بمشاعرنا، لكنها لا تُرى، كما لا تُرى الموسيقى نفسها؛ وإنما ندرك أثرها حين تقع على أسماعنا فتغير أحوالنا، وتبدل مزاجنا، وتوقظ ما كان نائمًا في أعماقنا.
قد تولد اللغات ثم تندثر، وتتغير الحروف واللهجات، لكن لغة الموسيقى تظل حية، تتطور وتتجدد، وتتسع لتحتضن معاني جديدة، وتبتكر أساليب جديدة تمس الإنسان كله؛ عقله وقلبه، وعينيه، وروحه، وجوارحه. وما إن يسري اللحن في الكيان، حتى يوقظ ما سكن فيه من أفكار، ويحرر ما اختبأ في أعماقه من أشواق ولواعج، فيصبح الإنسان، ولو للحظات، أكثر قربًا من العالم العلوي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق