فكلُّ أرقٍ في ميزان الحب قرابينُ تُدفع عن إرادةٍ خالصةٍ, وكل سعيٍ إليه مشكور. ولولا هذا الجحيم، لما انصهرت قلوبنا وصفَت، ولما عرفت قدره ومعناه.
ما من إنسانٍ إلا وطرق الحبُّ بابَ قلبه يوماً، فحوَّل عالمه إلى خيالٍ جامحٍ لا يعرف إلى واقعه طريقًا، لما انتابه من آثاره. وما من جارحةٍ فيه إلا وقد تحوَّلت وتغيَّرت، وصار لها شأن أخر. يرى العالم بعينٍ غير التي كان يراه بها، يطيل النظر إلى ما لم يكن في الحسبان، أو كان هو والعدم سواء. هذه الأشجار، وتلك الورود، والقمر الموجود منذ سنوات، والنجوم وبريقها الخافت، ودفء شمس الشتاء، وخطواته في الطريق، وحركة يده حين يتحدث؛. تتشكَّل الأرض بما ليس معهودًا، وتكتسب ألوانًا جديدةً وزيًا جديدًا، كأن الربيع لا ينقطع عن أيامها جميعًا, كلُّ شيءٍ تغيَّر، وكلُّ شيءٍ يراه للمرة الأولى على حقيقته، كما يظن.
حين يقارن بين حاله قبله وبعده، يدرك أن الحياة قائمة حيث يوجد، وأن مواتها متوقف على نبضٍ يخلو منه. إنه مركز حياة الإنسان، يمده بهوائها الذي يبقيه على قيدها. فهو ذلك الشعور المترامي بلا حدود، يحتل كل جزءٍ من أجزاء الإنسان، فلا يتركه لنفسه، ولا تخلو منه ذرة، حتى يفيض عليه بعجائبه ونفحاته.
يجرفه تياره، ويسبح به في بحر النور، وتحمله أمواجه إلى بلادٍ لم تطأها قدماه من قبل، ولم يعرف خياله صداها. ماذا فعل به؟ لا يدري. إنما هو حيث كان معه، ولا يسأل، فقد يذهل كالمخمور، فتأتي أفعاله بما يمليه عليه دون إرادة، وتنتابه سعادة في أسره وانقياده. فهو يمتنُّ له إذ أسره واستباح خلاياه، حتى حين يحترق بناره، ففي عذابه متعةٌ يطلبها ويستزيد منها.
إنها تجارب صعبة، لا يخوض غمارها إلا أولو العزم من المحبين، الذين اشتعلت قلوبهم عشقًا لا تخمد أواره، ولا ينطفئ لهيبه، ويقبلون يده على صنيعه فيهم، واجتيازهم عقباته، بعد رحلةٍ مضنية، وأثرٍ مُدمٍ على الوجوه والقلوب.
...
ظل يبحث عنه سنوات طويلة, كان له قلبٌ ينبض دائمًا، متعطشًا لأن يسكب فيه ذلك الفيض النابع من أعماقه، أن يعيش, لا أن يظل محاصرًا في صدرٍ ضيق.
طرق كل الأبواب باحثًا عنه، لكن الرفض كان النتيجة الدائمة. يعود خاسرًا، يمد يديه فيُردّ بلا شيء، كأن العالم لا يرى فيه إلا الفراغ, كان يلهث وراء المجهول الذي يأبى أن يمنحه شيئًا, وفي كل مساء، يعود من رحلاته المضنية مثقلًا بالخيبة، لكنه لا يتوقف. يكتب… فقط يكتب رسائل مفعمة بالحب، يكتب عن تلك التي لا تجيء أبدًا، يسكب قلبه على الورق، يبيع نبضه وكلماته بثمنٍ زهيد, كانت الرسالة تُباع ببضع قروش, لكن ما كان يُباع حقًا هو القلب نفسه.
تدور كلماته في أروقة الآخرين، يتداولونها بأسمائهم، بينما يظل هو خالي الوفاض، كأنه لم يكتب شيئًا, لم تكن فتاةٌ واحدة تمد يدها لفقيرٍ لا يملك ثمن القوت، فكيف تلمس يدًا لا تملك حتى ما يُشبع قلبها؟
في صباه، كان يذهب إلى الساحات حيث تمرّ الفتيات، يتأمل الجمال لا كغريزة، بل كحياة تتحرك أمامه. كان يرى في المرأة تجليًا للجمال والحرية والفن، ثلاثية لم يجدها مكتملة إلا في صورتها وهي تمشي كبر قليلًا، وبدأ يبحث عن الحب لا كفكرة، بل كإنقاذ, لكن الأبواب كانت تُغلق في وجهه واحدًا تلو الآخر.
لم يكن يملك ما يظن أنه شرط العالم: المال، المكانة، الشكل… فصار الحب نفسه يبدو وكأنه امتياز لا حق إنساني كان يتساءل بصمتٍ موجع هل خُلق الفقراء ليحملوا القلوب فقط دون أن يعيشوها؟ هل من العدل أن يُمنح القلب دون أن يُمنح الطريق إليه؟ ومع كل محاولة، كان قلبه يشتعل أكثر، حتى صار الإرهاق يسكن الجسد، والأرق ينهش الروح.
وفي سنوات الثانوية، عرف فتاةً. كتب لها، وأرسل، وتوسّل الحب عبر وسيطٍ لا يملك قلبه كان عامًا كاملًا من الرسائل، من الشرح، من الانتظار، من اللهاث خلف كلمة واحدة… لكنها لم تأتِ كانت تطلب المزيد دائمًا، وكأن حضوره مجرد اختبار لا ينتهي ثم جاء الآخر شابٌ يملك المال، والوسامة، والوضع الاجتماعي فانتهى كل شيء.
سقط العام كله في لحظة، ككومة رماد لا قيمة لها. لم تُقل له كلمة وداع، لم تلتفت إليه حتى نظرة أخيرة كأنه لم يكن حاول أن يلتمس لها عذرًا، لكنه لم يجد إلا حقيقة واحدة مؤلمة أن قلبه كان يُستخدم دون أن يُرى. بكى القلب من هول السقوط، لا لأنها ذهبت، بل لأنه أدرك أنه لم يكن حاضرًا أصلًا في نظرها مرت الأيام، وترك ذلك الجرح بقعة سوداء في الداخل، لكنه لم يتعلم عاد يبحث من جديد.
في الجامعة، كان يأمل أن يجد الحب الذي طارده طويلًا، لكن النظرات كانت تنفر منه، كأن هناك شيئًا غير مرئي يطرده من كل اتجاه لم يعد الفقر وحده هو السبب في التراجع… بل شيء أعمق، شيء في الصورة، في الشكل، في الانطباع الأول الذي يحكم قبل أن يتكلم القلب ففكر أن يبتعد أن ينجو قبل أن يغرق أكثر صار المأوى الوحيد هو المكتبة.
هناك، بين الكتب، وجد حياة أخرى: قصص العشق، وغراميات الأدباء، وأحلامهم التي لم تُسحق كان يقرأ، ويذوب في الصفحات، ويعيش حياة لم تُكتب له في الواقع.














0 تعليق