لم تكن جميع الكتب والدراسات التي صدرت في تاريخ الفكر العربي مجرد مؤلفات علمية أو أدبية، بل تحولت بعضها إلى محطات فاصلة في حياة أصحابها، بعدما أثارت جدلًا واسعًا تجاوز حدود النقاش الأكاديمي، لتصل إلى ساحات القضاء والرأي العام، وهو ما حدث مع المفكر الراحل الدكتور نصر حامد أبو زيد.
دراسة أشعلت الجدل
في عام 1992 تقدم نصر حامد أبو زيد بملف ترقيته إلى درجة الأستاذية بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة القاهرة، ضمن الإجراءات الأكاديمية المعتادة، وكان من بين أبرز أبحاثه الدراسة التي حملت عنوان «نقد الخطاب الديني»، والتي تناول فيها قراءة نقدية لآليات الخطاب الديني المعاصر.
وأُحيلت الأبحاث إلى لجنة علمية ضمت الدكتور عبد الصبور شاهين، والدكتور محمود مكي، والدكتور محمد عوني عبد الرؤوف، للنظر في مدى استحقاقه للترقية.
انقسام داخل اللجنة
أشاد كل من محمود مكي ومحمد عوني عبد الرؤوف بالمنهج العلمي الذي اعتمده أبو زيد في أبحاثه، ورأيا أنها تستوفي المعايير الأكاديمية المطلوبة للحصول على درجة الأستاذية.
في المقابل، سجل الدكتور عبد الصبور شاهين اعتراضات حادة على مضمون الدراسة، معتبرًا أنها تتضمن أفكارًا تخالف الثوابت الدينية، وهو ما أدى إلى تصاعد الجدل حول البحث خارج الإطار الجامعي.
من الجامعة إلى المحكمة
لم يتوقف الجدل عند لجنة الترقيات، بل تحول إلى قضية رأي عام، بعدما استندت دعاوى قضائية إلى ما ورد في بعض مؤلفات أبو زيد، وطالبت باعتباره مرتدًا، وانتهت القضية بحكم قضائي بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس.
وأمام تصاعد الأزمة، غادر نصر حامد أبو زيد مصر عام 1995 متجهًا إلى هولندا، حيث عمل أستاذًا للدراسات الإسلامية بجامعة لايدن، وظل هناك سنوات طويلة قبل عودته إلى مصر قبيل وفاته عام 2010.
كتاب تجاوز حدود الأكاديمية
تحول كتاب «نقد الخطاب الديني» من دراسة أكاديمية أُعدت ضمن ملف ترقية جامعية إلى واحد من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ الفكر العربي الحديث، إذ ارتبط بقضية فكرية وقانونية تركت أثرًا عميقًا في مسيرة صاحبه، وظلت حتى اليوم من أبرز الأمثلة على تداخل النقاش الفكري مع الجدل المجتمعي والقضائي في مصر.














0 تعليق