وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بالإسراع في تنفيذ المرحلة التالية من برنامج تخارج جهات ومؤسسات الدولة من الأنشطة الاقتصادية التي يمكن للقطاع الخاص إدارتها، قائلا خلال كلمته في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون"، إن هذا التوجه يأتي في إطار دعم دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في النمو الاقتصادي والاستثمار، مع الالتزام بالشفافية والمنافسة العادلة.
برنامج تخارج مؤسسات الدولة من الأنشطة الاقتصادية
عن أهمية برنامج تخارج جهات ومؤسسات الدولة من الأنشطة الاقتصادية التي يمكن للقطاع الخاص إدارتها، قال الدكتور خالد رحومة، الخبير الاقتصادي، إن تسريع برنامج التخارج خطوة مهمة في المرحلة الحالية لأنه يساهم في تخفيف حدة الفجوة التمويلية ويعمل تسريع البرنامج علي الاسهام في توفير سيولة دولارية ونقدية عاجلة، حيث تستهدف مصر تحقيق عوائد تصل إلى نحو 6.5 مليار دولار من برنامج الطروحات والتخارج خلال الفترة المقبلة، وهو مما يدعم الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي تجاوز 46 مليار دولار، ويؤمن استقرار سوق الصرف، كما يساهم التخارج السريع في الوفاء بالتزامات صندوق النقد الدولي لانه يعد ركيزة أساسية في الاتفاق الممدد مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار، حيث تشترط المؤسسات الدولية تقليص دور الدولة لضمان استدامة النمو الاقتصادي.
جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة
وعن انعكاس البرنامج على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، أوضح رحومة، في تصريحات لـ"الدستور"، أن التخارج السريع يرسل إشارات إيجابية للأسواق وهو ما يرفع تصنيف مصر الائتماني ويعزز ثقة المستثمرين (كما ظهر في صفقة رأس الحكمة التي بلغت 35 مليار دولار كاستثمار أجنبي مباشر)، ويساهم في الوصول إلى مستهدفات مصر بجذب استثمارات أجنبية مباشرة تتراوح بين 15 إلى 20 مليار دولار سنويًا في السنوات القادمة، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، التكنولوجيا، واللوجستيات وغيرها.
رفع كفاءة الشركات وتحسين الإنتاجية
عن قدرة برنامج التخارج في رفع كفاءة الشركات وتحسين الإنتاجية، أكد أنه يساعد في هذا الجزء لأن القطاع الخاص يتميز بمرونة أكبر في الإدارة وتطبيق حوكمة صارمة، وضخ استثمارات لتحديث خطوط الإنتاج، وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن تحول الشركات لإدارة القطاع الخاص يرفع من معدلات ربحيتها وإنتاجيتها بنسب تتراوح بين 20% إلى 35% نتيجة للتخلص من البيروقراطية، وتحسين سلاسل الإمداد، والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.
المنافسة بين القطاعين العام والخاص
وعن تأثير البرنامج على المنافسة بين القطاعين العام والخاص، قال الخبير الاقتصادي، إن التخارج يحقق الحياد التنافسي، حيث يحد من ظاهرة "مزاحمة الدولة للقطاع الخاص وهو ما يدعم الاستثمار الخاص، ومع الاخذ في الاعتبار ضرورة تفعيل دور جهاز لحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية لأن ذلك سيضمن بيئة عمل عادلة، حيث تلغى الامتيازات الضريبية أو الجمركية الاستثنائية للشركات المملوكة للدولة، مما يشجع القطاع الخاص على التوسع وهو مطمئن لعدم وجود تمييز.
تقليل الأعباء المالية على الدولة
وأضاف أنه يسهم في تقليل الأعباء المالية على الدولة وخفض عجز الموازنة، حيث ستتخلص الدولة من عبء دعم الشركات الخاسرة أو ضخ رؤوس أموال إضافية فيها، وسيعزز ذلك قدرة الدولة في السيطرة على الدين العام لأن العوائد المحققة من التخارج توجّه (وفقًا لتعديلات قانون المالية الموحد) لخفض الدين العام الذي تسعى الدولة لخفضه إلى ما دون 80% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، فضلًا عن توفير مخصصات أكبر لقطاعي الصحة والتعليم.
ضمانات نجاح البرنامج
وعن الضمانات اللازمة لضمان نجاح البرنامج وتحقيق أهدافه، أشار رحومة إلى أن أهم الضمانات هو توفير الشفافية المطلقة والإعلان المسبق عن تقييم الشركات، وآليات الطرح (سواء عبر البورصة أو لمستثمر استراتيجي) لضمان الحصول على القيمة العادلة. ويتطلب الأمر أيضا استقلالية الجهات التنظيمية، فتفعيل دور المنظم المستقل في كل قطاع (مثل جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، وجهاز تنظيم الاتصالات) سيساهم بدرجة كبيرة في حماية المستهلك والمستثمر معًا، ويتطلب نجاح البرنامج الرشد في استخدام العوائد بمعني عدم توجيه عوائد بيع الأصول لسداد نفقات جارية، بل لخفض الدين العام وتمويل مشروعات تنموية ذات عائد استثماري مرتفع.
وذكر الخبير الاقتصادي أن أهم القطاعات التي يجب أن تحتفظ الدولة بوجودها فيها (أو تحتفظ بسيادة كاملة عليها) هي البنية التحتية الاستراتيجية كشبكات المياه والصرف الصحي، وشبكة نقل الكهرباء، وقناة السويس، وكذلك الخدمات السيادية والاجتماعية كالصحة والتعليم الاساسي (مع إتاحة فرص للمستثمرين للاستثمار الموازي، لكن تظل الدولة هي الضامن)، بالاضافة للصناعات الدفاعية والأمن القومي وكل ما يتعلق بالأمن الغذائي الاستراتيجي (مثل صوامع الغلال الأساسية كإشراف ورقابة).
أما القطاعات التي يمكن للقطاع الخاص إدارتها بالكامل فهي الصناعات التحويلية والغذائية كالغزل والنسيج، الزيوت، الجلود، والكيماويات. بالاضافة للتطوير العقاري والمقاولات حيث يتم ترك السوق بالكامل لآليات العرض والطلب للقطاع الخاص، وكذلك أنشطة السياحة والفنادق، والاتصالات حيث أثبت القطاع الخاص كفاءة فائقة في إدارتها وتطويرها.
تحول الدولة من المنتج والمنافس للمنظم والمراقب
وشدد الخبير الاقتصادي أن النجاح الحقيقي لهذا البرنامج لا يقاس فقط بحجم الأموال السائلة التي ستدخل خزينة الدولة، بل بتحول فلسفة الدولة الاقتصادية، حيث تنتقل الدولة من دور "المنتج والمنافس" إلى دور "المنظم والمراقب" للقوانين، ومن المتوقع أن يساهم التخارج السريع في زيادة فرص تشغيل العمالة، فالقطاع الخاص في مصر يستوعب نحو 70% إلى 75% من قوة العمل.
وتابع: دعم هذا القطاع السبيل الوحيد لخلق ما يقدر بحوالي 900 ألف فرصة عمل سنويًا يحتاجها السوق المصري لامتصاص البطالة، ويسهم التخارج في تطوير البورصة المصرية لأن طرح حصص من هذه الشركات في البورصة يرفع من القيمة السوقية، ويزيد من عمق السوق الجاذب للمحافظ الاستثمارية العالمية، مما يعود بالنفع على الأفراد والمؤسسات المحلية.















0 تعليق