في قلب قرية «تونس» بمحافظة الفيوم، يقف متحف الكاريكاتير كأحد أهم المتاحف المتخصّصة في الوطن العربي. وهي الفكرة التي كانت تراود الفنان المصري محمد عبلة لسنوات حتى استطاع تحقيقها بالفعل في عام 2009.

تبدأ الجولة من بوابة المتحف، حيث تنتشر رسومات تحية للرواد الأوائل، يتقدمهم صاروخان ورخا وعبدالسميع. تُشعرك الواجهة الأولى أن المكان ليس مجرد معرض فني، بل أرشيف مفتوح لوجدان المصريين، يوثّق لحظات سياسية واجتماعية وتاريخية بحس ساخر وذكي.

في القاعة الأولى، تصطف لوحات نادرة تعود إلى بدايات القرن العشرين. تظهر مصر الملكية، وسكان الأحياء الشعبية، ومشاهد من الحياة اليومية التي عالجها رسّامو تلك المرحلة بروح نقدية شديدة. وعلى امتداد الجدار، تعرض شروحات قصيرة عن خلفيات كل رسمة، ما يجعل المتحف أشبه بحصة ممتعة في تاريخ المجتمع المصري من زاوية فنية.

أما القاعة الثانية فتفتح أبوابها على أعمال ما بعد ثورة يوليو، حيث تتنوع الموضوعات بين الإصلاح الزراعي، والتحولات الاجتماعية، وصعود الطبقة الوسطى، وتغير ملامح المجتمع. تظهر الرسوم بأسلوب أكثر جرأة، وتكشف كيف لعب الكاريكاتير دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الشعبي.

وتحمل القاعة الثالثة أعمالًا لرسّامي جيل الثمانينيات والتسعينيات، حيث تنعكس الهموم الجديدة في الحياة المصرية وتضم القاعة أيضًا قسمًا خاصًا بسيرة كبار الفنانين، مع مقتنيات شخصية مثل الأقلام الأصلية والاسكتشات الأولى.

أبرز ما يميز المتحف هو ركن «ورش الأطفال»، حيث يجلس الصغار لتجربة الرسم الكاريكاتيري تحت إشراف فنانين متخصصين، في محاولة لخلق جيل جديد يؤمن بقيمة هذا الفن وقدرته على التأثير.
وتختتم الجولة بالخروج إلى ساحة مفتوحة تزينها مجسمات كاريكاتيرية ضخمة، تُضفي روحًا مرحة على المكان وتحوّل المتحف إلى تجربة بصرية ممتعة للزوار من مختلف الأعمار.

متحف الكاريكاتير بالفيوم ليس مجرد مساحة ثقافية، بل ذاكرة مصر المرسومة بخفة ظل وعمق تاريخي، ومقصد لكل من يريد أن يعرف كيف عبّر المصريون عن أنفسهم.. بالضحك.















0 تعليق