بين ممرات الطين وظلال النخيل في عرقة، تستعيد تفاصيل الحياة النجدية حضورها في "بيت عيسى"، حيث تتجاور العمارة والحرفة والضيافة والفنون الشعبية في فضاء يُعيد تشكيل ذاكرة المكان ضمن مشهد سياحي وترفيهي معاصر، ويكشف جانبًا من ثراء الوجهات المحلية التي تبرزها "روح السعودية" بما تحمله من تنوع ثقافي وتراثي في مختلف مناطق المملكة.
ونشرت وكالة الأنباء السعودية، تقريرًا حول المكان، مشيرة إلى أن البيت يطل من قلب عرقة بوصفه أحد المواقع التي أعادت توظيف الموروث العمراني وإدخاله في دورة الحياة من جديد، مستندًا إلى خصوصية المكان وتكويناته المحلية، فيما تمتد مرافقه بين المجالس والمقاهي والمسارات التراثية والساحات والأسطح؛ لتتشكل بينها رحلة بصرية تستحضر مفردات البيئة النجدية وتفاصيلها الاجتماعية.
وتنتمي عرقة إلى القرى القديمة الواقعة بمدينة الرياض، ويمتد تاريخها لأكثر من ألف عام، إذ عُرفت بوصفها مركزًا زراعيًا أسهم وفرة المياه وخصوبة الأرض في تشكيله، فيما رسمت البيوت الطينية والمساجد القديمة والمزارع ملامح نسيج عمراني ارتبط بطبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.
وفي هذا الامتداد التاريخي، جاءت إعادة إحياء بيت عيسى باستحضار السمات الأصيلة للعمارة النجدية، والاعتماد على مواد البناء المحلية وتقنياتها التقليدية، وإشراك الحرفيين في أعماله، لتبقى الصلة قائمة بين البناء وذاكرته، وتحضر عناصر الطين والحجر والخشب والأبواب والنوافذ التقليدية بوصفها مفردات أصيلة في تكوين المكان.
ومن بوابته الطينية تبدأ ملامح المكان في الانكشاف تباعًا، ممرات ضيقة تتخللها النوافذ الخشبية، وساحات مكشوفة تتصل بالمجالس والزوايا الظليلة، وتكوينات معمارية تجعل الانتقال بين أجزائه امتدادًا للحكاية، فيما تستقبل القهوة السعودية الضيوف، وتستعيد ورش الحرف والأمسيات الفنية جانبًا من الوظائف الاجتماعية التي ارتبطت بالمجلس والساحة والبيت النجدي.
ويتسع المشهد خارج نطاق البيت ليضم منظومة من المرافق المرتبطة به؛ فإلى جانب المجالس والمقاهي المستلهمة من طابع الضيافة النجدية، تمتد مسارات تراثية مفتوحة تمر بين تفاصيل الطين والأثل وجريد النخل، ويبرز النزل بطابعه المعماري المحلي، فيما تشكل "قيصرية الصنع" مساحة للحرفيين والأسر المنتجة، تتحول فيها الحرفة من منتج معروض إلى ممارسة حية تكشف للزائر شيئًا من مهارات الصانع السعودي وموروثه.
وتمنح الحرف اليدوية المكان بُعدًا يتجاوز قيمته العمرانية، عبر ورش تستعيد مهارات تناقلتها الأجيال، ومنافذ تحتضن منتجات الأسر المنتجة، في حضور يصل الموروث المادي بجذوره الاجتماعية والاقتصادية، ويضع الزائر أمام تفاصيل كانت يومًا جزءًا من إيقاع الحياة اليومية في نجد.
أما المجالس، فتستعيد وظيفتها بوصفها فضاءات للضيافة واللقاء، وتتكامل معها الساحات المفتوحة بما تحتضنه من أمسيات وفعاليات، حيث تتداخل القهوة السعودية والأزياء والحرف والفنون الشعبية في مشهد تتجاور فيه عناصر الثقافة المحلية ضمن سياقها المكاني.
ومع انحسار ضوء النهار، يكتسب بيت عيسى إيقاعًا مختلفًا؛ إذ تنساب الإضاءة بين الجدران الطينية وتكشف تضاريس البناء وتفاصيله، بينما تمتد الجلسات إلى الأسطح المطلة على النخيل ومحيط عرقة، لتمنح ليالي الصيف للمكان مشهدًا يجمع سكينة البيئة القديمة بحيوية النشاط الاجتماعي والترفيهي.
وتتعاقب على المكان أنماط متعددة من الفعاليات باختلاف المواسم والمناسبات، إذ احتضن فعاليات اليوم الوطني ويوم التأسيس، إلى جانب أنشطة "صيف الرياض"، ومناسبات ثقافية ومؤسسية وبرامج مرتبطة بالفنون والأزياء والحرف، في امتداد أعاد للموروث العمراني دوره بوصفه فضاءً قادرًا على استيعاب أنماط معاصرة من النشاط الثقافي والترفيهي.
وتبرز الفنون الشعبية ضمن هذا الحضور بوصفها إحدى مفردات المشهد، مصحوبة بالأزياء والمأكولات والحرف والممارسات الاجتماعية، فتعود الساحات والمجالس والممرات إلى أداء أدوارها بوصفها فضاءات نابضة بالحركة، ولا تبقى العمارة الطينية مجرد إطار بصري، بل تصبح جزءًا فاعلًا من مضمون الزيارة.
ويمتد مفهوم الزيارة إلى الإقامة عبر النزل التراثي، الذي يستلهم البيئة النجدية في طابعه المعماري مع تجهيزات معاصرة، لتتسع علاقة الزائر بالمكان من جولة عابرة إلى معايشة إيقاعه خلال ساعات اليوم؛ من هدوء الصباح إلى حركة المجالس والأمسيات وليالي الأسطح.
وتشير بيانات القرية إلى استقبالها أكثر من 15 ألف زائر منذ افتتاحها، ومشاركة أكثر من 50 أسرة منتجة في أنشطتها، إلى جانب استخدام الموقع من أكثر من 20 جهة إنتاج لأعمال التصوير، فيما تجاوزت المشاهدات والتفاعلات الرقمية المرتبطة به ثلاثة ملايين، في مؤشرات تعكس اتساع حضور المكان وتعدد أوجه الاستفادة من فضاءاته.
ويختزل بيت عيسى في تفاصيله مسارًا يتجاوز استعادة هيئة البناء القديم إلى استعادة الحياة داخله؛ فالمجلس يستقبل ضيوفه، والحرفي يعود إلى أدواته، والساحات تستعيد لقاءاتها، والممرات تقود إلى مشاهد متعاقبة من الطين والنخيل، فيما تنفتح الأسطح على امتداد عرقة، لتصبح الذاكرة جزءًا من المشهد السياحي الحاضر لا أثرًا منفصلًا عنه.
ويأتي هذا الحضور ضمن تنوع الوجهات والتجارب التي تقدمها "روح السعودية" للزوار، حيث تتسع خارطة السياحة لتشمل إلى جانب الوجهات الطبيعية والترفيهية مواقع تستمد جاذبيتها من الهوية المحلية وعمقها الثقافي؛ لتقدم عرقة عبر "بيت عيسى" وجهًا آخر للرياض، تروي فيه العمارة والحرفة والضيافة والفنون قصة المكان، وتمنح الموروث مساحة جديدة للحضور بين زواره.














0 تعليق