عاجل
أسبوع الفضاء العالمى 2026 يحتفى بـ"ثورة الصواريخ".. كيف تغير التكنولوجيا الوصول إلى الفضاء؟ليلى علوي عن نصر أكتوبر: فرحة العبور مفيش زيها فرحةمحافظ الغربية يسلم أجهزة تعويضية لـ12 حالة من ذوى الهمم والأولى بالرعايةمحافظ الإسماعيلية: اخترت 6 أكتوبر لبدء مرحلة العبور بالإسماعيلي ولن نتركه وحدهبعد القمة.. موعد إعلان الزمالك عن التعاقد مع حسام الزناتيخبير التخطيط: تحديث الحسابات القومية يتيح قاعدة بيانات أكثر تفصيلًا لدعم صنع القرارقرب صرف تكافل وكرامة أكتوبر 2026.. اعرف الموعد وأماكن الصرفسرقة الكهرباء في مصر 2026.. تعرف على العقوبات والغرامات المقررة قانونًا
الإضافة إلى المصادر المفضلة

المُحْتَرَف المسرحي: مصطلح يتجاوز حدود التجربة

منذ 2 يوم

مروان ياسين الدليمي

تحيلنا عبارة «مُحْتَرَف مسرحي» إلى مستوى متقدم من الممارسة، يجعل المسرح مهنة وفكرا ومسؤولية جمالية في آن واحد. فالاحتراف، في دلالته الحقيقية، لا تمنحه شهادة أكاديمية، ولا تثبته كثرة الظهور في العروض، وإنما تصنعه سنوات من العمل المتراكم، ووعي بأدوات المهنة، ومنجز يمكن الرجوع إليه ومساءلته. وحين تستعمل الكلمة في سياقنا المحلي، يصبح من الضروري أن نسأل: هل نحن أمام مُحْتَرَف حقيقي، أم أمام مصطلح أنيق جرى تحميله أكثر مما تحتمل التجربة؟
قرأت مؤخرا عنوانا لكتاب صدر في العراق، كتبه شخص يحمل شهادة الدكتوراه في المسرح، ويتناول سيرة مسرحي محلي يحمل هو الآخر شهادة الدكتوراه. غير أن ما استوقفني في الكتاب لم يكن موضوعه، ولا مؤلفه، ولا حتى عنوانه الرئيسي، وإنما عنوانه الفرعي الذي يضع عبارة «قراءة في مُحْتَرَف الفنان المسرحي…» في الواجهة هنا لا تعود كلمة «مُحْتَرَف» مجرد مفردة عابرة؛ فهي توحي بأن الشخصية موضوع الكتاب لم تمارس المسرح فحسب، بل استطاعت أن تؤسس لنفسها تقليدا احترافيا قائما بذاته، له شروطه ومنجزه وامتداداته. وهذا افتراض كبير، خصوصا حين يوضع في سياق المسرح العراقي، حيث تبدو تجربة «المحترف المسرحي» بمعناها المؤسسي والمستقل أكثر ندرة وتعقيدا مما توحي به العبارة. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يسبق الكتاب نفسه: ماذا نعني تحديدا بـ«المُحْتَرَف المسرحي»؟
إذا عدنا إلى تاريخ المسرح العراقي، منذ بداياته الأولى وحتى اليوم، فإننا سنجد تجارب كثيرة مهمة، ومخرجين وممثلين ومصممين وكتابا ومنظرين تركوا آثارا واضحة في مسيرته، منهم قاسم محمد، سامي عبد الحميد، ابراهيم جلال، شفاء العمري، عوني كرومي، عواطف نعيم، صلاح القصب، فاضل خليل، سنان العزاوي، عماد محمد. وسنجد أيضا فرقا مسرحية «فرقة الفن الحديث، فرقة المسرح الشعبي، فرقة اليوم، فرقة مسرح النجاح» ومؤسسات وورشا وتجارب جماعية، لكنني لا أجد، من بين كل هذه الأسماء والعناوين، بالمعنى الدقيق للمصطلح، تجربة يمكن أن نصفها بأنها «مُحتَرَف مسرحي» بالمعنى الذي يجعل منه مؤسسة فنية قائمة على مشروع متواصل، له هوية جمالية واضحة، واستمرارية إنتاجية، وطاقم فني يتطور داخلها، ونظام إداري وتمويلي يسمح لها بمواصلة العمل، وجمهور يعرفها بوصفها كيانا مسرحيا مستقلا.

البنية الإنتاجية أولا

هنا ينبغي أن نكون حذرين في استخدام الكلمات. فـ»المُحْتَرَف» ليست مرادفا لـ«الموهبة»، وليست مرادفا لـ«الخبرة»، وليست مجرد تسمية تمنح للفنان لأنه عمل في المسرح سنوات طويلة. كلمة المُحْتَرَف، في معناها الحقيقي، تشير إلى بنية إنتاجية وفنية قبل أن تشير إلى صفة شخصية. قد يكون لدينا ممثل مُحترِف، بمعنى أنه يمارس المهنة بكفاءة عالية ويتقن أدواتها، وقد يكون لدينا مخرج مُحترِف، بمعنى امتلاكه معرفة تقنية وخبرة طويلة في إدارة العرض، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن لديه «مُحتَرَفا مسرحيا». فالمُحتَرَف هنا يصبح كيانا يتجاوز الفرد، ويتحول إلى بيت فني له ذاكرة واستمرارية ومنهج.
المشكلة إذن ليست في أن يكون المسرحي الذي يتحدث عنه الكتاب فنانا مهما أو صاحب تجربة طويلة. قد يكون كذلك، وقد يكون قد قدم أعمالا تستحق الدراسة والتقدير. المشكلة في أن كلمة «مُحتَرَف» تحمل أكثر مما يبدو في ظاهرها. إنها تفترض وجود شروط لا يكفي الفرد وحده لتحقيقها. فالمُحتَرَف المسرحي الحقيقي يحتاج إلى مكان دائم أو شبه دائم، وإلى فرقة أو مجموعة من الفنانين الذين يعملون معا بصورة مستمرة، وإلى مشروع فني لا يتغير مع كل عرض، وإلى آلية إنتاج تسمح له بالتخطيط للموسم التالي قبل أن يطوي الستار على الموسم السابق. يحتاج أيضا إلى أرشيف، وإلى جمهور، وإلى إدارة، وإلى قدرة على التدريب والتجريب وتطوير الفنانين الذين يعملون فيه. وإذا غابت هذه العناصر، فإننا نكون أمام تجربة مسرحية أو فرقة مسرحية أو مشروع مسرحي فردي، وليس بالضرورة أمام مُحتَرَف.

هشاشة البنية التاريخية للمسرح

المفارقة أن تاريخ المسرح العراقي، رغم غناه، يكشف هشاشة البنية التي كان يمكن أن تسمح بولادة مثل هذا المُحتَرَف. لقد نشأ المسرح العراقي وسط تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية قاسية، وظلت علاقته بالدولة والمؤسسات الثقافية علاقة غير مستقرة، بينما عانت الفرق المسرحية المستقلة من ضعف التمويل، وغياب فضاءات العرض الدائمة، وانقطاع المشاريع، وتغير الظروف السياسية. لهذا بقيت أغلب التجارب مرتبطة بأشخاص أكثر من ارتباطها بمؤسسات. يموت المشروع أحيانا عندما يغيب صاحبه، وتتوقف الفرقة عندما يتوقف المخرج، ويتغير اتجاهها عندما تتغير ظروفه. وهذا يعني أننا أمام مسرح يعتمد على الفرد أكثر مما يعتمد على المؤسسة. وهنا تظهر مشكلة أخرى: نحن في العراق نميل أحيانا إلى تضخيم الصفات حين نتحدث عن تاريخنا الثقافي. نستخدم «الرائد»، و«المؤسس»، و«الكبير»، و«المُحترِف»، وكأن الألقاب يمكن أن تقوم مقام الأدلة. لكن تاريخ المسرح لا يكتب بالألقاب، وإنما بما تركته التجارب من أثر قابل للاستمرار. ليس كل من أخرج عشرات المسرحيات قد أسس مدرسة، وليس كل من امتلك شهادة أكاديمية في المسرح أصبح منظرا، وليس كل من عمل طويلا في المسرح أسس مُحتَرَفَا، وليست كل فرقة استمرت سنوات تحولت إلى مؤسسة. هناك فرق بين الاستمرار الشخصي والاستمرارية المؤسسية.

المُحتَرَف: التجربة أكبر من الشخص

قد يعيش المسرحي أربعين عاما في المهنة، وهذا أمر يستحق التقدير، لكنه لا يعني أن تجربته تحولت إلى مؤسسة تستمر بعده. أما المُحترِف، بالمعنى الذي أبحث عنه، فهو الذي يستطيع أن يجعل تجربته أكبر من شخصه، بحيث يستمر المشروع حتى عندما يغيب المؤسس. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق استخدام كلمة «مُحتَرَف» هو: ماذا بقي من التجربة بعد صاحبها؟ هل بقيت فرقة؟ هل بقي مكان؟ هل بقي منهج؟ هل ظهر فنانون جدد تربوا داخل التجربة؟ هل أصبح للمشروع جمهور ينتظره؟ هل توجد عروض يمكن العودة إليها؟ هل يوجد أرشيف؟ هل يمكن لباحث بعد ثلاثين عاما أن يدرس المحترف بوصفه ظاهرة فنية مستقلة عن مؤسسه؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فعلينا أن نكون أكثر تحفظا.
قد يقول قائل إن المصطلح لا يحتاج إلى كل هذه الشروط، وإن المقصود بـ«المُحتَرِف المسرحي» هو أن الشخص كان يمارس المسرح بوصفه مهنة. وهذا تعريف ممكن بالفعل. لكن حتى في هذه الحالة يجب أن نعرف ماذا نعني بـ«الاحتراف». هل نقصد التفرغ؟ أم الحصول على أجر؟ أم امتلاك الخبرة؟ أم الانتماء إلى مؤسسة؟ أم مجرد الاستمرار في العمل؟ المشكلة ليست في المصطلح نفسه، وإنما في الغموض الذي يحيط به.

مسؤولية الناقد: دقة التعبير

فحين يضع ناقد أو باحث كلمة «المُحتَرَف» في عنوان كتاب، فإنه لا يستخدم كلمة عابرة. العنوان هنا يصبح حكما نقديا وتاريخيا. ومن حق القارئ أن يسأل: أين هو هذا المُحتَرَف؟ كيف تأسس؟ من عمل فيه؟ كم عرضا أنتج؟ ما منهجه؟ ما الذي يميزه عن الفرق الأخرى؟ ما الذي بقي منه؟ وكيف أثر في الأجيال التالية؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الشخص موضوع الكتاب، بل على العكس، تمنح تجربته فرصة لأن تُقاس بمعايير أكثر جدية. ربما كان الأجدر، في الحالة التي أتحدث عنها، أن نستخدم تعبيرات أكثر دقة مثل «التجربة المسرحية»، أو «المشروع المسرحي»، أو «المسار المسرحي»، أو «التجربة الاحترافية» إذا كانت هناك أدلة واضحة على طبيعة الاحتراف المقصود. أما القول إن شخصا أسس «مُحتَرَفا مسرحيا» في تاريخ لم يعرف حتى الآن بنية مستقرة لهذا النوع من المؤسسات، فيحتاج إلى أكثر من شهادة دكتوراه في المسرح. يحتاج إلى قراءة تاريخية دقيقة، وإلى أدلة، وإلى تعريف واضح للمصطلح قبل استخدامه. ولعل المفارقة الأكثر إثارة عندما يكون كاتب الكتاب نفسه يحمل شهادة دكتوراه في المسرح. وهذا يجعل المسألة أكثر أهمية، لا أقل. فالشهادة الأكاديمية يفترض أن تمنح صاحبها حساسية أكبر تجاه المصطلحات، وأن تجعله يعرف أن الكلمة في البحث المسرحي ليست زينة للعنوان، وإنما أداة لتحديد الظاهرة.
ليس المطلوب أن نقلل من قيمة تجارب المسرحيين العراقيين، بل العكس تماما. إن إنصافهم يبدأ من الدقة في وصفهم. فحين نسمي كل تجربة «مُحتَرَفا» نفقد معنى «المُحتَرَف». وحين نصف كل مخرج بأنه «رائد»، نفقد معنى الريادة. وحين نمنح كل تجربة صفة «التأسيس»، يصبح التأسيس نفسه بلا تاريخ. المسرح العراقي لا يحتاج إلى ألقاب أكبر من تاريخه. يحتاج إلى قراءة تكشف ما أنجزه فعلا، وما أخفق في إنجازه، وما كان يمكن أن يتحقق لو توفرت له شروط أخرى.
وربما تكون الحقيقة الأكثر إزعاجا، لكنها الأكثر فائدة، هي أننا لا نملك حتى الآن في العراق تقليدا راسخا للمُحتَرَف المسرحي بالمعنى المؤسسي الكامل. لدينا فنانون كبار، وتجارب مهمة، وفرَق تركت أثرا، ومخرجون صنعوا عروضا لا تزال حاضرة في الذاكرة، لكن هذا كله لا يكفي وحده لصناعة مُحتَرَف.
المُحتَرَف هو المسرح حين يصبح قادرا على أن يعيش من دون الشخص الذي أسسه. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نبدأ منها إذا أردنا أن نتحدث بجدية عن الاحتراف في المسرح العراقي.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق تحرير اعرف سبورت خبرة في الصحافة الإلكترونية وإعداد وتحرير التقارير الاقتصادية، وفي صياغة المحتوى وفق معايير تحسين محركات البحث (SEO) يتابع الحدث لحظة وقوعه ويتابع كافة أخبار مصر والعالم العربي علي مدار 24 ساعة بدقة وإحترافية

تابعوا آخر الأخبار العربية والعالمية، وآخر المستجدات السياسية والاقتصادية والرياضية أولًا بأول عبر جوجل نيوز

أخبار ذات صلة