مع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها المتزايدة على إنتاج النصوص والكتب خلال دقائق، يبرز سؤال جديد في عالم النشر: هل لا يزال من الضروري أن يكتب الإنسان كتابه بنفسه؟
يرى عدد من المهتمين بالكتابة أن الإجابة هي نعم، بل إن أهمية الكتابة البشرية ربما أصبحت أكبر في عصر الذكاء الاصطناعي، لأن الكتاب لا يمثل مجرد مجموعة من الكلمات والمعلومات، وإنما يحمل في داخله هوية صاحبه وتجربته وأفكاره ونظرته الخاصة إلى العالم.
وفي رأي الكاتب الذي تناول السؤال عبر منصة «كورا»، فإن الإنسان عندما يكتب كتابًا فإنه يشارك القارئ أفكاره وقصصه ووجهة نظره الشخصية، وهي أشياء تتشكل من هويته وتجربته والطريق الذي قطعه في حياته.
الذكاء الاصطناعي لا يملك التجربة الإنسانية نفسها
ورغم القدرات الكبيرة التي يمتلكها الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص وتنظيم الأفكار، يرى صاحب الرأي أن هناك جوانب إنسانية يصعب استبدالها، وفي مقدمتها التعاطف والمشاعر والإبداع الأصيل.
فالكاتب البشري لا يكتب من المعرفة وحدها، وإنما من تجربة عاشها أو شعور اختبره أو أسئلة شغلته، وهو ما يمنح النص خصوصيته ويجعله قادرًا على الوصول إلى القارئ بطريقة مختلفة.
ويذهب الرأي المطروح إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع بسهولة أن ينتج كتابًا يمتلك القدرة نفسها على ملامسة مشاعر القارئ وترك أثر شخصي بداخله، لأن التجربة الإنسانية التي تقف خلف النص ليست مجرد معلومات يمكن إعادة تركيبها.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب «أدبًا» حقًا؟
المسألة لا تتعلق فقط بقدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج قصة سليمة لغويًا أو حبكة متماسكة، وإنما بالسؤال الأعمق: هل إنتاج نص جيد يعني بالضرورة إنتاج أدب جيد؟
فالأدب لا يقوم على الأحداث والشخصيات والأسلوب وحدها، وإنما على زاوية النظر إلى العالم، وعلى الخبرة الإنسانية التي تمنح النص دلالته. الكاتب قد يكتب عن الفقد لأنه عاشه، أو عن الوحدة لأنه اختبرها، أو عن الخوف لأنه مرّ به، ولذلك فإن ما يبدو للقارئ في النهاية مجرد كلمات على الورق قد يكون وراءه تاريخ طويل من التجربة الشخصية.
أما الذكاء الاصطناعي، فيبني نصوصه من خلال تحليل كميات هائلة من اللغة والأنماط والأساليب، وهو ما يمنحه قدرة كبيرة على المحاكاة وإعادة التركيب، لكنه لا يعيش التجربة التي يكتب عنها بالمعنى الإنساني. وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط الاختلاف بين إنتاج النص وامتلاك التجربة.
قد لا يكون مستقبل الكتابة قائمًا على الاختيار بين الكاتب والآلة بالضرورة، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة تساعد الكاتب في البحث، وتوليد الأفكار الأولية، واختبار الحبكات، ومراجعة اللغة، واكتشاف مواطن الضعف في البناء السردي.
لكن كلما اتسع دور الأداة، زاد السؤال أهمية حول من يملك القرار الإبداعي في النهاية: هل الكاتب يستخدم الذكاء الاصطناعي، أم أن الذكاء الاصطناعي هو الذي يستخدم الكاتب بوصفه مجرد مراجع لنص جاهز؟
وهذه النقطة تبدو حاسمة خصوصًا في الرواية والقصة، حيث لا تكفي سلامة اللغة أو سرعة الإنجاز لصناعة صوت أدبي مميز.
المفارقة.. القارئ نفسه قد يصنع الفارق
تكشف الدراسات المذكورة أن استقبال القارئ للنص لا يرتبط بجودة النص وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بالتصور الذي يحمله عن مصدره.
فإذا قرأ القارئ نصًا واعتقد أنه من كتابة إنسان، ثم اكتشف لاحقًا أنه مولد بالذكاء الاصطناعي، فقد تتغير نظرته إليه، والعكس صحيح؛ فقد يرفع القارئ تقديره لنص بشري عندما يعرف الجهد والتجربة اللذين وقفا خلفه.
وهذا يعني أن هوية المؤلف أصبحت جزءًا من تجربة القراءة نفسها، وأن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الأدب لا يدور فقط حول «من يستطيع أن يكتب أفضل؟»، وإنما أيضًا حول «من نريد أن نقرأ؟».
الكاتب المبدع.. ما الذي يصعب على الآلة منافسته؟
تشير المقارنات التي أوردتها الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينافس في جوانب مثل الوضوح والتنظيم والسرعة، وقد ينتج أحيانًا حلولًا أو تحولات سردية مبتكرة، لكن التفوق التقني لا يعني بالضرورة امتلاك صوت أدبي.
فالكاتب المبدع لا يكتفي بصياغة جملة جيدة، وإنما يستطيع كسر توقعات القارئ، وصناعة استعارة غير مألوفة، وتحويل تجربة شخصية صغيرة إلى معنى إنساني واسع، وخلق علاقة مع اللغة يصعب اختزالها في مجموعة قواعد.
ومن هنا يمكن فهم النتيجة التي توصلت إليها الدراسة المقارنة التي تناولت 250 قصة بشرية و80 قصة مولدة بواسطة GPT-3.5 وGPT-4: النماذج استطاعت إنتاج بعض التحولات المبتكرة، لكنها بدت أقل خيالًا في بعض السيناريوهات والبلاغة مقارنة بالنصوص البشرية.











0 تعليق