«أساور عائشة» لمراد القادري: استعادة الأثر الإنساني في الذاكرة

منذ 38 دقيقة

عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي»: بمجرد أن يغلق القارئ الدفة الأخيرة من كتاب «أساور عائشة» للشاعر المغربي مراد القادري، ينتابه شعور خاص يصعب تحديده بدقة، مزيج من الألفة والحنين وربما شيء من الغبطة تجاه أولئك الذين حظوا بمكان داخل هذا «الكناش» الإنساني الجميل. ويشتد هذا الإحساس لدى المثقف أو الصحافي أو الفنان ممن تقاطعت مساراتهم مع القادري في محطة من محطات حياته الإبداعية والإنسانية، واقتربوا من عالمه الذي ظلّ، على امتداد السنوات، قائما على الوفاء للعلاقات والأشخاص بقدر قيامه على الوفاء للشعر.
كتاب «أساور عائشة» الصادر حديثا خلال سنة 2026، عبارة عن نصوص وشهادات وسيرة ثقافية، اختار له مراد القادري عنوانا فرعيا دالا هو: «من كناشات الشعر والصداقة والحياة»، بما يختزله من معاني الامتنان واستعادة الأثر الإنساني في الذاكرة. وجاء الكتاب في 220 صفحة من القطع المتوسط، ووقّع مقدمته الشاعر حسن نجمي.
ورغم تعدد صفات القادري بين الشاعر والباحث والدكتور ورئيس بيت الشعر في المغرب، فإنه يظلّ محتفظًا بذلك الجانب الطفولي العفوي الذي يطل من ملامحه وسلوكه قبل كلماته. يحضر ببساطة بعيدة عن التكلف، كما بدا في اللقاء الذي احتضنه رواق باب فاس في مدينة سلا (المجاورة للعاصمة الرباط) ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مقامات»، حيث قدم مؤلفه الجديد «أساور عائشة».
ذلك الصوت الذي توقف عنده حسن نجمي في تقديمه للكتاب، حين ربطه بصوت الطفل الذي كانه القادري ذات يوم، حضر بقوة في هذا اللقاء. فمنذ اللحظات الأولى، عاد المؤلف إلى ذاكرة كتابه الأول «حروف الكف» الصادر سنة 1995، مستعيدا الواقعة التي ستمنح الكتاب الجديد عنوانه ودلالته الرمزية، حين قامت زوجته عائشة بخلع أساورها التي كانت هدية زفافها وبيعها لتأمين المبلغ الأول اللازم لطباعة المجموعة الشعرية. ومن هذه الحكاية الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في معناها، تنبثق فلسفة الكتاب كلها الوفاء لمن صنعوا المعنى في الحياة قبل أن يصنعوا الحضور في الذاكرة.

وأول ما يلفت الانتباه في هذا العمل اختيار مراد القادري لمصطلح «الكناش». ففي الوجدان المغربي يحيل «الكناش» إلى دفتر العائلة (كناش الحالة المدنية)، وإلى الذاكرة الإدارية والاجتماعية التي تحفظ الأسماء والأنساب وتوثق الامتداد الإنساني للأسرة. وليس من المصادفة أن يجعل القادري من «الكناش» مفتاحا لبناء كتابه، فهو لا يكتب سيرة بالمعنى التقليدي، ولا يجمع مقالات متناثرة، بل يعيد ترتيب خرائط الانتماء الإنساني التي صنعت تجربته.
لذلك جاءت بنية الكتاب قائمة على ثلاثة أقسام رئيسية «كناش العائلة»، و»كناش الشعراء»، و»كناش الأصدقاء». ففي «كناش العائلة» يعود المؤلف إلى البدايات، مستحضرا الطفولة والوالدين والزاوية القادرية، وكل ما أسهم في بناء وجدانه الإنساني والروحي. أما «كناش الشعراء» فيمثل العائلة الإبداعية التي رافقته أو أثر فيها وتأثر بها، من خلال مقالات وشهادات ودراسات حول أسماء بارزة أمثال: محمد الأشعري وأحمد فؤاد نجم وأحمد الطيب لعلج ومحمد الميموني وإدريس الملياني وأحمد بركات وغيرهم. فيما يفتح «كناش الأصدقاء» نافذة واسعة على رفاق الدرب الذين تقاسم معهم تفاصيل الحياة الصغيرة والكبيرة.
ولا يغفل الكتاب لحظات المحنة التي تكشف عمق العلاقات الإنسانية. ففي استعادته لفترة إصابته بفيروس كورونا، وما رافقها من إقامة داخل غرفة العزل، يكتب القادري عن تجربة إنسانية قاسية، مستحضرا رفيقه الراحل محمد بن الفقيه الذي جمعته به تلك الأيام العصيبة قبل أن يرحل، وهي تجربة سيعود صداها لاحقا في ديوانه الشعري «ومخبي تحت لساني ريحة الموت».

ومن زاوية نقدية ثقافية، يبدو «أساور عائشة» عملاً يختبر من خلاله القادري منطقة كتابية جديدة نسبيا داخل مساره. فهو لا يغادر الشعر بقدر ما يوسع حدوده، لينتقل من القصيدة إلى الشهادة، ومن الصورة الشعرية إلى البورتريه الإنساني، ومن الغنائية الذاتية إلى كتابة الاعتراف والعرفان. لذلك، يمكن اعتبار الكتاب نوعا من «المغامرة الوجدانية»، وفق تعبيره، التي تجعل الذاكرة مادة أساسية للكتابة من من دون أن تفقدها بعدها الأدبي.
إنسانيا، يندرج الكتاب ضمن ما يمكن تسميته بأدب الامتنان أو التوثيق العرفاني. فهو لا يكتفي بذكر الأسماء، بل يسعى إلى تسجيل أثرها في حياة الكاتب. ففي «كناش العائلة» يحتفي أولاً بـ»الطفل الذي كنته»، قبل أن يتوقف عند «أحمد القادري: الوالد والولد»، ثم عند «حروف الكف، ياسمين، وأساور عائشة»، و»أبو بكر القادري: العم».
أما «كناش الشعراء» فيضم نصوصا مثل: «محمد الأشعري وقصيدتي»، و»أحمد فؤاد نجم… سلاما»، و»أحمد الطيب لعلج: ألف الشعر العامي المغربي»، و»محمد الميموني: الطائر المغرد»، و»إدريس الملياني: توقير الشاعر»، و»حسن نجمي: متعهد خربشاتي الشعرية الأولى»، و»أحمد بركات: الشاعر الذي هزم الزلزال»، و»عبد اللطيف بنيحيى: بروميثيوس الشعر والإعلام»، و»رشيد نيني: شاعر من جيلي»، و»عبد الحق بن رحمون: سليل المدينة الزرقاء».
وفي «كناش الأصدقاء» تحضر أسماء عديدة من عوالم الثقافة والفن والإعلام، من بينها ثريا جبران، ومحمد النجار، وفرانسيسكو موسكوسو غارسيا، وعبد المجيد فنيش، وعبد المقصود الراشدي، وعبد العزيز السبيل، ومحمد الحيحي، وأمينة أوشلح، وعبد الرحيم العطاوي، وجمال المحافظ، والحسين طلال، ومحمد بلفقيه، والبشير شرف، وإبراهيم بنحمو، ومحمد المدلاوي، ومنير الرحموني، وهي أسماء تتحول داخل الكتاب من مجرد أشخاص إلى محطات دالة في مسار حياة الكاتب.
ومن خلال هذا النسيج الإنساني المتشابك، يصعب النظر إلى «أساور عائشة» باعتباره مجرد مذكرات أو مجموعة شهادات متفرقة. فالكتاب يقترب من السيرة الذاتية بقدر ما يبتعد عنها، إذ يكتب القادري ذاته عبر الآخرين، ويعيد رسم ملامح تجربته من خلال الوجوه التي رافقته. وهو في الوقت نفسه شهادة على مرحلة كاملة من الحياة الثقافية المغربية، وبورتريهات أدبية تمنح أصحابها وجها آخر غير ذلك الذي تقدمه السير المختصرة أو التراجم التقليدية.

هذا القادم من تجربة زجلية مميزة أسهمت، إلى جانب تجارب وازنة أخرى مثل المسيح والمسناوي، في نقل الزجل المغربي (الشعر العامي) من الصف الثاني إلى الصف الأول داخل المشهد الشعري المعاصر، يكتب هنا بلغة مشبعة بالحس الشعري، حتى وهو يقترب من النثر والسرد. لذلك، لا يستحضر الأشخاص والأحداث بوصفهم موضوعات للكتابة فحسب، بل باعتبارهم عناصر مؤسسة لذاكرته الخاصة. وكأن الكتاب، في نهاية المطاف، محاولة لإعادة كتابة «كناش الحالة المدنية» الرمزي الخاص به، ذلك الكناش الذي لا يضم أسماء الأقارب وحدهم، بل يضم أيضا الشعراء والأصدقاء ورفقاء الطريق وكل من ترك بصمة في وجدانه. ومن ثم، ينعطف مراد القادري في «أساور عائشة» نحو السرد والشهادة الثقافية، من دون أن يتخلى عن حساسيته الشعرية. يفتح كناشات الذاكرة، ويمنح القارئ وثيقة إنسانية تحتفي بالعلاقات كما تحتفي بالثقافة، وبالأثر كما تحتفي بالأسماء. إنه كتاب عن الآخرين في ظاهره، لكنه في العمق كتاب عن معنى الوفاء نفسه.
ويبقى السؤال الذي يطرحه العمل، من دون أن يصرح به مباشرة: هل يمكن للكتابة أن تردّ بعض جميل الحياة؟ لعل الجواب يتسلل من بين صفحات هذا الكتاب، ومن تلك الصور التي اختار المؤلف أن يرفق بها نصوصه بالأبيض والأسود. فالكناش، بطبيعته، وثيقة للذاكرة أكثر منه ألبوما للحاضر، ومن خلاله لا يستعيد القادري الماضي فحسب، بل يفتح معه حوارا متجددا، ويمنح الذاكرة فرصة أخرى لكي تواصل الحياة.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق