إياد شماسنة
عرف قرّاء «القدس العربي الأديب اللبناني إلياس خوري لعقدين ونيّف، كاتبَ عمودٍ أسبوعي واظب عليه حتى في أشهره الأخيرة، وهو يصارع مرضاً لم يمهله طويلاً قبل رحيله في 15 أيلول/سبتمبر 2024. كتب الرجل الذي أمضى نصف قرن بصفته شاهداً على وقائع بلاده وبلاداً أحبها، وقد أنفق سنواته الأخيرة في بناء صرح روائي يقوم على نقيض هذه الصفة تماماً: ثلاثية «أولاد الغيتو» (اسمي آدم، 2016؛ نجمة البحر، 2019؛ رجل يشبهني، 2023). وقد فازت رواية «اسمي ادم» بجائزة كتارا للرواية العربية، ووصلت كذلك إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2017.
لا يوجد في هذه الثلاثية شاهدٌ محدد يمكن الركون إلى شهادته، بل سلسلة من الرواة يكذّب بعضهم بعضاً، ويشكّ كلٌّ منهم في نفسه قبل أن يشكّك القارئ فيه. وقد روى خوري أنه، وهو يكتب عن مجزرة اللد التي افتتحت حكاية بطله آدم دنّون، اكتشف أن سقوط المدينة صادف الحادي عشر من تموز/يوليو 1948، أي اليوم السابق مباشرة على يوم مولده هو.
كانت هذه المصادفة الشخصية أكثر من مجرد صدفة عابرة لدى خوري نفسه، بل نعتقد أنها تفسر لماذا كانت اللعبة السردية في هذه الثلاثية مساءلة من يملك حقّ الكلام نيابة عن كارثة لا يزال شهودها يتضاربون في وصفها إلى اليوم. فبطل الثلاثية، آدم دنّون، طفلٌ نجا من مجزرة مسجد دهمش في اللد صيف 1948، وكبر داخل السياج الذي أقامه الجيش الإسرائيلي حول من تبقّى من سكان المدينة، قبل أن ينتقل بين حيفا ونيويورك حاملاً هويات متعاقبة لا يستقرّ على واحدة منها. وحين يختار خوري أن يجعل من هذا الناجي راوياً لا يُطمأنّ إلى كلامه (غير موثوق الرواية)، فهو يضع القارئ أمام معضلة لا مفرّ منها يمكن تلخيصها في السؤال التالي: كيف نروي محواً تاريخياً كاملاً من دون أن نمنح أنفسنا سلطة زائفة على تفاصيله؟
من هو «الراوي غير الموثوق»؟
صاغ الناقد الأمريكي واين بوث مصطلح «الراوي غير الموثوق» عام 1961 في كتابه «بلاغة القص»، ليصف راوياً تنحرف روايته للأحداث أو أحكامه عليها عن معايير العمل الأدبي كما تتجلى عبر «المؤلف الضمني». وفي المسافة بين صوت الراوي وهذه المعايير يجد القارئ ما يدعوه إلى إعادة بناء الحكاية، وربما إلى الشك في صاحبها وسرديتها: بشكل كامل أو جزئي.
لم تظهر هذه المسافة فجأة في ثلاثية «أولاد الغيتو» فقد رصدت دراسة عن «باب الشمس» تعدّد الرواة وانشطار الذات، ولاحظت أن التشابه بين السارد والروائي قد يوهم القارئ بأن آراء الأول هي آراء الثاني. كما بيّنت أن التكرار السردي لا يضبط إيقاع الحكاية فحسب، بل يزعزع اليقين بحقيقة ما وقع.
ثم جاء جيمس فيلان وتنظيره في السرد البلاغي ليجعل قراءة الثلاثية متميزة: فالراوي قد يكون غير موثوق لأنه لا يعرف، أو لأنه يسيء التقدير، أو لأنه يحجب ما يعرفه؛ وليس بالضرورة لأنه يكذب عمداً. يتردد آدم بين هذه الحالات: يجهل حقيقة نسبه، ويخطئ في الحكم على من أحبّهم أو خذلوه، ويتحاشى تفاصيل لا يقوى على مواجهتها. أما ما تصعّده الثلاثية فهو اتساع دائرة الشك: حيث لم تعد الحقيقة رهينة صوت آدم وحده، بل تتنازعها شهادات عدة، لكل منها ما تكشفه وما تخفيه.
مصيدة الكتاب الأول
يفتتح خوري «اسمي آدم» بمقدّمة يوقّعها راوٍ لا اسم له، أستاذ جامعي يعمل في نيويورك، يروي أن دفاتر آدم دنّون وصلت إليه «بطريق المصادفة»، وأنه تردّد طويلاً قبل أن يقرّر إرسالها إلى دار الآداب لتُنشر. هذا الراوي-المحرِّر يعترف صراحة بأنه لا يحقّ له التدخّل في حكاية صاحب الدفاتر، وأن القارئ هو من سيكون «الحكم» بينه وبين آدم.
لكنه، في السطور نفسها، يستحضر روايته السابقة «باب الشمس» ويجعل شخصية ثانوية تصف الكتب بأنها كائنات لا يُوثق بها. ثم يمضي ليروي، نقلاً عن معارف متضاربين، حكايتين متناقضتين عن نهاية آدم: فتاة كورية تعتقد أنه مات محترقاً وهو نائم يدخّن، وتشكّ في الوقت نفسه بأنه انتحر، محاكياً موت الشاعر راشد حسين الذي أحبّه وحفظ قصائده.
أما آدم نفسه، فيرفض في دفاتره تصنيف ما يكتبه على أنه رواية أو مذكرات، ويخترع لنفسه نسباً بديلاً يجعله ابناً محتملاً ليهودي بولندي نجا من غيتو وارسو، قبل أن يهجر هذه الفرضية كما هجر غيرها. الحيلة هنا مضاعفة: فكلمة «غيتو» التي تسمّي بها الرواية نفسها تنتقل من سياجٍ أقامه جيش الاحتلال حول بقايا سكان اللد، إلى سياج آخر يستعيره آدم من ذاكرة يهودية مختلفة تماماً، وكأن الكاتب يذكّرنا بأن أسماء المحن قابلة للاستعارة قبل أن تكون قابلة للتوثيق.
وبين محرّرٍ متردّد، وشاهدة تروي بالسماع، وراوٍ يخترع أصله، يتأسس النص على مبدأ واحد: لا وجود لرواية نهائية، بل فقط لروايات تتنازع مكانها.
«ضمير الغائب»: من يملك الحكاية في الكتاب الثاني؟
يعنون خوري مدخل «نجمة البحر» بعبارة دالة: «ضمير الغائب». وفي الصفحات الأولى، يشرح أن «ستيلا مارس»، أي نجمة البحر، هي اسم الشرفة المطلّة على حيفا التي تأخذنا منها الحكاية إلى «الأعجوبة»، حيث اكتشف «بطل هذه الحكاية وراويها» – آدم دنّون بنفسه – وجوهه المتعدّدة، وتصالح مع أسمائها ونسج حكايته من جديد.
الالتباس هنا التباس نحويّ قبل أن يكون سردياً: حين يتماهى البطل بالراوي إلى هذا الحد، يفقد «ضمير الغائب» حياده المفترض في اللغة، ويتحوّل كل سردٍ عن آدم إلى سردٍ منه أيضاً، بما يحمله ذلك من تحيّز لا مفرّ منه.
وتضاعف حيفا هذا الالتباس جغرافيا: فكما تغيّرت ملامح المدينة وأسماء شوارعها بعد 1948، تتغيّر هوية من يتكلّم باسمها؛ والعتبة الشعرية التي يفتتح بها خوري الرواية، هي بيت للمتنبي عن الغريب في وطنه وأهله، تمهّد لبطلٍ يصير في أرضه ذاتها ضيفاً مشكوكاً في هويته.
حين يبتلع الشكّ نفسه
تذهب رواية «رجل يشبهني» بالمسألة إلى أقصاها، وهو الجزء الذي أهداه خوري إلى الباحث ماهر جرّار، وافتتحه ببيت آخر للمتنبي عن الغريب، لكن هذه المرّة «بتصرّف» كما يعترف بنفسه، وكأنه يذكّرنا منذ العتبة الأولى بأنه لا يثق حتى بالنص الذي يستعيره من التراث.
يفتتح خوري الرواية بعنوان «من أنت؟»، ويضع فيه راوياً يجلس وحيداً في شقّته الصغيرة بنيويورك، فلا يرى في المرآة سوى ضباب أبيض يرسم «وجه رجل يشبهني»، ويقول إنه «يجب أن يصدّق» ادّعاء هذا الرجل بأنه هو نفسه. الأدهى أن هذا الراوي، الذي يُفترض أنه امتداد لآدم أو صدى له، يصرّح بأنه يشكّ في أسباب اختياره المنفى، رغم اعترافه بأنه «يستعير أصوات الآخرين» حين يعجز عن قول ما يريد بلسانه.
هنا لم يعد الشكّ موجّهاً من القارئ إلى الراوي وحده، بل صار الراوي يشكّ في مصدره هو، في صوته الذي يخرج من فم آخر. وقد لاحظ قرّاء الجزء الثالث أن خوري استعان فيه بشخصيات هامشية لم تكن أساسية في الجزأين السابقين، وكأنه يوسّع دائرة الشهود كي يخفّف من مركزية آدم، لا كي يعزّزها، فيبقى القارئ في النهاية أمام أصواتٍ متعدّدة، متفاوتة المصداقية، تتقاسم البطولة والشكّ معاً، ولا تمنحه موقعاً مريحاً للحياد.
لماذا يكون الشكّ موقفا أخلاقيا؟
يكتب آدم في أحد دفاتره أن قصته «لن تجد من يكملها»، بوصف طبيعة الأدب الذي يبحث عن النقصان لا عن الاكتمال. والمفارقة أن خوري، خلافاً لهذا التنبؤ، أكمل حكاية بطله وكتب لها نهاية، قبل أن يرحل هو نفسه بعد أشهر قليلة من صدور الجزء الثالث، تاركاً لقرّائه المهمة نفسها التي وضعها على عاتق آدم: أن يكونوا حكّاماً على شهادة لن تكتمل إلا بهم.
تكشف هذه المفارقة جوهر المشروع الروائي الذي بناه خوري في الثلاثية: فالراوي غير الموثوق في «أولاد الغيتو» محاكاة بنيوية لحال أرشيف النكبة نفسه، حيث تتضارب الشهادات الشفوية، وتُطمس الوثائق أو تُصادَر، ويصبح كل من يروي مطالَباً بأن يخترع بعض ما فقده كي يسدّ الفجوة.
وحين يرفض خوري أن يمنح القارئ راوياً يُطمأنّ إليه، فهو يحمّل مسؤولية الحقيقة للقارئ ولا يتنصّل منها هو نفسه: يجعله شريكاً في الحكم بدل أن يكون متلقياً سلبياً لسردية جاهزة، إسرائيلية كانت أم عربية رسمية.
وهذا بالذات ما يمنح الثلاثية ثقلها الأخلاقي، لا الجمالي وحده: فالشكّ في الراوي، حين يُبنى بهذا الإتقان وعلى مدى ثلاثة كتب، يحمي الحكاية من التحوّل إلى نصب تذكاري جامد يُقرأ ثم يُنسى، ويبقيها – كصاحبها الذي غادرنا – سؤالاً مفتوحاً يستحق أن يُعاد طرحه كلّما ظننّا أننا عرفنا الجواب، وكلّما أغرانا سرد آخر، أكثر إحكاماً وأقلّ صدقاً، بأن يمنحنا يقيناً لا تستحقّه حكاية بهذا الاتساع.





